كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع (اسم الجزء: 3)

البقرةِ، ثم بالنِّساءِ، ثم آل عمران (¬1)، وهذا على غير التَّرتيبِ المعروف، قالوا: وفِعْلُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم دليلٌ على الجواز.
وأما الذين قالوا بالكراهة، فقالوا: إنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم وَضَعُوا المُصحفَ الإِمام ـ الذي يكادون يجمعون عليه ـ في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وَضَعوه على هذا التَّرتيب (¬2)، فلا ينبغي الخروجُ عن إجماعهم، أو عمَّا يكون كالإِجماع منهم؛ لأنَّهم سلفُنا وقدوتُنا، وهو من سُنَّة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أُمِرْنَا باتِّباعِه. ولأنه قد يكون فيه تشويشٌ على العامة، وتَنَقُّصٌ لكلام الله عزّ وجل إذا رأوا أنَّ النَّاسَ يقدِّمون، ويؤخِّرون فيه.

ولكن؛ القول بالكراهة قولٌ وسطٌ، فيقال: إنَّ الصحابةَ لم يجمعوا على هذا الترتيب، فإن في مصاحف بعضِهم ما يخالف هذا التَّرتيب كمصحف ابن مسعود رضي الله عنه، وأما قراءة النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حديث حذيفة «النساء» قبل «آل عمران» فهذا ـ لعلَّه ـ قبل العرضة الأخيرة؛ لأنَّ جبريلَ كان يُعارِضُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم القرآن في كُلِّ رمضان (¬3)، فيكون ما اتَّفق عليه الصحابةُ أو ما كادوا يتَّفقون عليه هو الذي استقرَّ عليه الأمر، ولا سيما وأنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقرُنُ بين البقرة وآل عمران (¬4)، مما يدلُّ
¬__________
(¬1) تقدم تخريجه ص (67)، حاشية رقم (4).
(¬2) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن (4987).
(¬3) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلّى الله عليه وسلّم (4997)؛ ومسلم، كتاب الفضائل، باب جوده صلّى الله عليه وسلّم (2308) (50).
(¬4) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة (804).

الصفحة 79