كتاب أمالي ابن الشجري (اسم الجزء: 3)

وهما لم يستسقيا فى الحقيقة ماء، وإنما استطلق أحدهما أسيرا، وطلب الآخر عطاء؛ ولذلك سمّوا السّائل والمجتدى مستميحا، أخذوه من الميح، وهو أن يجمع المائح الماء فى الدّلو، والمائح: الذى ينزل إلى البئر فيملأ الدّلاء.
ثم إن سباع الطير قد تلغ فى الدّماء، ولذلك قال أبو تمام:
بعقبان طير فى الدّماء نواهل
والنّهل لا يكون إلاّ من المشروب دون المطعوم. وقد كرّر أبو الطيّب هذا المعنى فغيّره وألطف، فجاء كالمعنى المخترع، قال (¬1):
تفدّى أتمّ الطير عمرا سلاحه … نسور الملا أحداثها والقشاعم
وما ضرّها خلق بغير مخالب … وقد خلقت أسيافه والقوائم
وذكر الطير فى موضع آخر، فأحسن وجاء بما لم يسبق إليه فقال (¬2):
يطمّع الطّير فيهم طول أكلهم … حتى تكاد على أحيائهم تقع
ومن مستحسن ما قيل فى هذا المعنى قوله أيضا فى وصف جيش:
وذى لجب لا ذو الجناح أمامه … بناج ولا الوحش المثار بسالم (¬3)
قال أبو الفتح: أراد أن الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه تسايره فتخطف الطير أمامه.
¬_________
= فيها، كما نبّهت عليه. وقد خطّأ البغدادىّ هذه النسبة فى الخزانة 6/ 207، والبيتان لراجز جاهلىّ من بنى أسيّد بن عمرو بن تميم، وقد استفاضت بهما كتب الأدب والنحو واللغة. انظر الخزانة 6/ 200 وحواشيها، ومعانى أبيات الحماسة ص 262، وإصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمرى ص 76 - 78.
(¬1) ديوانه 3/ 379، وشرح مشكل شعر المتنبى ص 240، والفتح على أبى الفتح ص 287، وتفسير أبيات المعانى من شعر أبى الطيب ص 239.
(¬2) ديوانه 2/ 225، والصناعتين ص 226، ونسبه لبعض المحدثين. وسيعيده المصنّف فى المجلس الأخير.
(¬3) ديوانه 4/ 113.

الصفحة 141