كتاب الترغيب والترهيب للمنذري ت عمارة (اسم الجزء: 3)
يا رسول الله زدني، قال: عليك بطول الصمت (¬1)، فإنه مَطَردَةٌ للشيطان، وعونٌ لك على أمر دينك. قلت: زدني. قال: وإياك وكثرة الضحك، فإنه يميتُ القلب (¬2)، ويذهبُ بنور الوجه. قلتُ: زدني، قال: قل الحق (¬3)، وإن كان مُراً. قلت: زدني، قال: لا تخف في الله لومة لائمٍ (¬4). قلتُ: زدني. قال: لِيَحْجُزْكَ (¬5)
عن الناس ما تعلم من نفسك" رواه أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم، واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد، وقد أملينا قطعة من هذا الحديث أطول من هذه بلفظ ابن حبان في الترهيب من الظلم، وفيها حكاية عن صحف إبراهيم عليه السلام.
28 - وعلى العاقلِ أن يكون بصيراً بزمانه (¬6)، مُقبلاً على شانهِ (¬7) حافظاً للسانه (¬8)، ومن حَسِبَ كَلاَمَهُ (¬9) من عمله قَلَّ كلامهُ إلا فيما يعنيه (¬10). الحديث.
¬_________
(¬1) السكوت والرزانة والتؤدة والتروي في النطق.
(¬2) يبعده عن الاتعاظ فلا يتأثر، ويجعله جامداً قاسياً لا يعمل صالحاً ولا يرتدع عن منكر ولا ينزجر عن قبيح.
(¬3) الموافق للصواب والعدل.
(¬4) عتب عاتب أو عقاب جبار خاسر.
(¬5) ليمنعك عن غيبة الناس وأذاهم الذي تعلمه من تقصيرك وعدم تكميلك وأنك في حاجة إلى تكميل وطاعة وصحة. يشير صلى الله عليه وسلم إلى:
أ - ... خشية الله في جميع الأحوال.
ب - ... قراءة القرآن وذكر الله عز وجل.
جـ - ... اعتقال اللسان وحبسه إلا في القول الحميد.
د - ... تجنب الهزء والسخرية والازدراء.
هـ - ... قول الحق وحبه ونصره.
و- ... العمل لوجه الله وحده وعدم الخوف إلا منه جل وعلا.
ز - ... الإقبال على تجميل النفس بالاستزادة في الطاعات وعدم العيب والتحلي بمكارم الأخلاق وترك الغيبة والنميمة، وفي النهاية احتجز الرجل بالإزار: إذا شده على وسطه فاستعاره للاعتصام والالتجاء والتمسك بالشيء والتعلق به، ومنه حديث "والنبي آخذ بحجزة الله" أي بسبب منه. ليحجزك كذا (د وع ص 242 - 2)، وفي (ن ط): ليحجز.
(¬6) أي يعد وقته قصيراً قليلاً، فلا يضيعه في لهو ولعب ومزاح، ويجد في عمله، ويكثر من الصالحات.
(¬7) موجهاً همته لإصلاح حاله.
(¬8) ضابطاً لسانه عن الشر.
(¬9) عد أقواله محسوبة عليه.
(¬10) يهمه أمره ويفيد ويقدمه ويرقيه، فإن الثرثرة لا تجلب إلا مقتاً وضياعاً والله تعالى يكره الثرثارون المتفيهقون، ولعمر بن الوردي رحمه الله:
زيادة القول تحكي النقص في العمل ... ومنطق المرء قد يهديه للزلل
إن اللسان صغير جرمه وله ... حرم عظيم كما قد قيل في المثل