كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ (اسم الجزء: 3)
الأمثالِ بالبعوضَة ونحوِها، {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} (١).
والناسُ في هذه الأحاديث ثلاثُ فرقٍ كلُّ حِزْبٍ بما لَديهم فَرِحُون:
* قومٌ تعاطَوا معرفةَ حقائقِ الأشياءِ وكيفيّاتِها، فما لَم تَتَصوَّرْه أوهامُهم ولا اتّسَعَتْ له أفهامُهم نَفَوْه وأبعَدُوه وكذّبوا به وقالوا: هذا تشبِيهٌ، والرَّبُّ تعالى مُنَزَّه عنه.
وهيهاتَ أنتُم أعلمُ أم الله؟ ! كيف يُنزَّه اللهُ جلَّ جلالُه عمَّا أخبَر به رسولُه وما هو مُطابقٌ لِمَا وصفَ به نفسَه في كتابه، وأنَّى يكونُ ذلك تشبِيهًا، وإنَّما التَّشبيهُ أنْ تُشَبَّه صفةٌ بصِفةٍ، أو يُوصَفَ الفعَلُ بِصفةٍ تقتَضِي الحدُوثَ (٢)، تعالى الله عن ذلك علُوًّا كبِيرًا.
ولو رَجَعَ أَحدٌ مِن هؤلاءٍ إلى نفسِه، وعَلِم قُصُورَ عِلمِه، وعَجْزَه عن إدراكِ ذاتِه بأنْ يُطالِبَها بتَصَوُّرِ حقيقةِ الرُّوح وصِفةِ الإدراكِ في النومِ، إذ يَرَى نفسَه في البلادِ النَّائِيةِ، وفي صُعُودٍ وهُبوطٍ، ويَرَى أنَّه يُبصِرُ ويَسمَعُ ويَتكلَّمُ، لأَذعَنَ ويَئسَ مِن تصوُّرِ أفعالِ الإلهِ الذي لا شَبِيهَ له ولا نَظِير، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
* وقَومٌ تَلَقَّوا ذلك بالقَبولِ، إلَّا أنَّهم ادّعَوا فَهْمَ ذلك الكلامِ المنقولِ، وزَعَمُوا أنَّه لا يَعزُب عنهم معرِفةُ حقائِقِه ولا ما أُريدَ به، وتَعاطَوا تفسيرَه، فتكلَّفوا مِن ذلك ما لَم يُكلَّفوه، وشَغَلوا أنفسَهم بِما لَم يُتعبَّدوا به، فَسَلَكُوا مع مَن ساواهم في العِلمِ بزَعمِه طريقَ الجِدالِ والمِراءِ، وعَرَّضُوا العامَّةَ والمُتَعلِّمينَ
---------------
(١) سورة: البقرة، الآية: (٢٦).
(٢) كتب في الهامش: "في الأصل: الحدود".