كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ (اسم الجزء: 3)

قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: والفطرة ابتداءُ الخَلقِ، وقيل: المرادُ بها في هذا الموضع العهدُ الَّذي ذَكَر الله سبحانه في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} (١)، وهذا يَتَضَمَّنُ الإقرارَ بالربوبيَّة، فكلّ مولودٍ مَفطورٌ على ذلك الإقرارِ، ولا يزالُ على حكمِه حتى يبلغَ الحُلُمَ ويعقِلَ، فإنْ مات قبلَ ذلك كفاه الإقرارُ الأوَّلُ؛ إذ لَم يُتَعمدْ بغيرِه، ولا وَقَعَ منه عصيانٌ، كما قال ابن عباس: "قد أقَرُّوا بالميثاقِ الأوَّلِ، ولَم يعملوا عملًا ينقُضُ ذلك" (٢).
وإنْ بَلَغَ عاقلًا كُلِّف الإقرارُ بالوحدانيَّةِ، وهذا تكليفٌ عامٌّ يَعُمُّ الأديانَ كلَّها قديمًا وحديثًا، ومَن أباه كان مشركًا على الإطلاقِ، ويَتَركَّبُ على هذا الإقرارُ بالرِّسالةِ، ثمَّ قَبولُ الشرع الذي لم جاء به الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -، وبهذا تَختلِفُ الأديانُ والمِلَلُ.
---------------
= وفي التفسير، باب: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} (٦/ ٣١٨) (رقم: ٤٧٧٥)، وفي القدر، باب: الله أعم بما كانوا عاملين (٨/ ٢٦٩) (رقم: ٦٥٩٩) (وليس فيه قول أبي هريرة).
ومسلم في صحيحه كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٤/ ٢٠٤٧) (رقم: ٢٦٥٨) من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، إلا الطريق الأول عند البخاري فلم يذكر ابنُ شهاب أبا سلمة وهو منقطع.
وأخرجه مسلم أيضا (٤/ ٢٠٤٨) (رقم: ٢٦٥٨) من طرق أخرى عن أبي هريرة به، وليس فيه قوله الأخير.
(١) سورة: الأعراف، الآية: (١٧٢).
وذريّاتِهم: بالجمع والتاء المكسورة، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ الكوفيون وابن كثير {ذريّتَهم} على الإفراد وفتح التاء.
انظر: الحجة في القراءات (ص: ١٦٧)، التبصرة في القراءات السبع (ص: ٣٤٩).
(٢) لم أقف عليه.

الصفحة 378