كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ (اسم الجزء: 3)
وأمَّا الإقرارُ الأوّلُ فعامٌّ، قال الله سبحانه، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (١)، روى عِياضُ بنُ حمارٍ المُجاشِعي أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذاتَ يومٍ خطبتِه: "ألَا إنَّ ربي أمرَنِي أن أعَلِّمكم ما جَهِلتُم مِمَّا علمَنِي يومِي هذا، أَنِّي خلقتُ عبادِي حُنفاءَ كلَّهم، وأنَّهم أَتتْهم الشياطينُ فاجتَالَتْهم (٢) عن دِينِهم فحَرَّمتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهم أنْ يشرِكوا بي ما لَم أُنَزِّل به سلطانًا. . . ". الحديث خَرَّجه مسلم (٣).
واختَلَفت الآثارُ في مَن يَموت صغيرًا قبل بلوغ حَدِّ التَّكليفِ، فَفِي هذا الحديث أنَّه قيل له: "أرأيتَ الذي يموتُ وهو صغيرٌ؟ ". وفي بعضِ طرقِه: "أرأيتَ مَن مات قبلَ ذلك؟ -أي قبلَ أنْ يُضِلَّه أبوه-"، فقال: "الله أعلمُ بما كانوا عامِلِين" (٤).
وليس في هذا إِخبارٌ بِمآلِ حالِهم، وإنَّما فيه العلمُ إلى الله سبحانه، أي أنَّ الله تعالى عالِم بما كانوا يعملون لو بَلَغوا حَدَّ التَّكليفِ، فلَه أنْ يُجازِيَهم بذلك إن شاء (٥).
ونحوُ هذا ما رُوي عن عائشةَ قالت: "دُعيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنازةِ صَبِيٍّ مِن الأنصار، فقلتُ: يا رسولَ الله طوبَى لهذا، عصفورٌ من عصافِيرِ الجَنَّةِ
---------------
(١) سورة: الزخرف، الآية: (٨٧).
(٢) في الأصل: "فاختالتهم"، بالخاء، وهو خطأ.
(٣) صحيح مسلم كتاب: صفة الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٧) (رقم: ٢٨٦٥).
(٤) وهي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٤٨) (رقم: ٢٦٥٨).
(٥) انظر: تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٨٥)، فإنَّه أجاب عن استدلال من يقول بالوقف في شأنهم بنحو هذا الكلام.