كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ (اسم الجزء: 3)

لَم يعملْ السوءَ ولَم يُدرِكْهُ، قال: أَوَ غيرَ ذلك يا عائشة، إنَّ الله تعالى خَلَقَ للجَنَّة أهلًا، خَلَقَهم لَها وهم في أَصلابِ آبائِهم، وحلَقَ للنَّارِ أهلًا، خلقهم لَها وهم في أصلاب آبائهم" خَرَّجه مسلم (١).
ولَعلَّ هذا القولَ كان قبلَ أن يُوحَى إليه فِيهِم، وقد أُمِرَ أن يقول: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} (٢)، ولَمَّا أُعلِمَ بعد ذلك بِمآلِهم أَخْبَرَ به (٣).
فمِن ذلك ما رواه حمرة بنُ جُندب أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أتاني اللّيلةَ آتيان، فقالا لي: انطَلِق! انطلق! . . . "، وذَكَرَ الحديث.
وقال فيه: "فأَتَينَا على رَوضَةٍ -وَصَفَها- وإذا بَين ظهرانَي الروضةِ رَجلٌ طويلٌ وإذا حولَه مِن أكثرِ وِلدان رأيتُهم قط وأحسنِه، قال: قلت: ما هذا وما هؤلاء؟ . . . "، وذَكَر كلامًا- ثمَّ قال في تفسيرِ ذلك: "وأمَّا الرَّجلُ الطويلُ الذي في الروضةِ فإنَّه إبراهيمُ عليه السلام، وأمَّا الولدانُ الذين (٤) حولَه فهو كلُّ مولودٍ مات على الفِطرة. فقيل: يا رسول الله! وأولادُ
---------------
(١) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٥٩) (رقم: ٢٦٦٢).
(٢) سورة: الأحقاف، الآية: (٩).
(٣) وهذا أحد الأجوبة على حديث عائشة رضي الله عنها، قال النووي: "أجمع من يُعتدُّ به من علماء المسلمين على أنَّ من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة؟ لأنَّه ليس مكلَّفًا، وتوقف فيه بعض من لا يُعتدُّ به لحديث عائشة هذا، وأجاب العلماء بأنّه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله: "اعطه إني لأراه مؤمنًا"، قال: أو مسلمًا"، الحديث، ويُحتمل أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال هذا قبل أن يعلم أنَّ أطفال المسلمين في الجنّة، فلما علم قال ذلك. . . ". شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٧).
(٤) في الأصل: "الذي".

الصفحة 380