وقال النووي (¬1): لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر، احتج أهل القول الأول بحديث أبي هريرة ورجح على حديث وائل بما ذكره المصنف (¬2)، واحتج أهل القول الثاني بحديث وائل، وأجابوا عن حديث أبي هريرة بأنه مضطرب إذ قد رُوى عنه الأمران وادعى بعض المحققين (¬3) بأن فيه قلبا من الراوي في قوله: "وليضع يديه قبل ركبتيه" بأن "وليضع ركبتيه قبل يديه" قال: ويدل عليه أول الحديث وهو قوله "فلا يبرك كما يبرك البعير" فإن المعروف مِنْ بُروُك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة فنهى عن التفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي كأذناب خيل شمس.
وتأويل أهل القول الثاني بأن البعير يبرك على ركبتي يديه مردود (¬4) بأن ذلك غير متعارف، وإن الركب إنما هي في الأرجل لا في اليد وبعضهم أجاب بالقول بالنسخ، وفي الحديث الذي أخرجه ابن خزيمة (¬5) دلالة على
¬__________
(¬1) المجموع 3/ 361.
(¬2) قلت: ولحديث وائل شاهد من حديث أنس ومتابعات، وقد تتبع ابن القيم المسألة وتكلم عليها ورجح حديث وائل من عشرة وجوه في الهدي النبوي 1/ 230.
(¬3) ابن القيم في الهدي 1/ 226.
(¬4) ساق ابن القيم الردود فقال: إن هذا القول فاسد لوجوه:
1 - أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولًا، وتبقي رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولًا، وتبقي يداه على الأرض وهذا هو الذي نهى عنه - صلى الله عليه وسلم - وفعل خلافه.
2 - أن الركبة في الرجلين وأن من قال ركبتا البعير في يديه لا يعقل، ولا تعرفه أهل اللغة.
قلت: وقوله لا تعرفه أهل اللغة مردود ففي اللسان: ركبة البعير في يده وكل ذي أربع ركبتاه في يديه، لسان العرب 1/ 417.
(¬5) ابن خزيمة 1/ 319 ح 628، وهو ضعيف قد تقدم قريبا.