كتاب ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين (اسم الجزء: 3)
الني اسْتَوْقَدَ نَارًا. فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ " " البقرة: ١٧ "، فجاء بالضمير مفردا ومجموعا، وَقَالَ تَعَالَى: " وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " " الزمر: ٣٣ "، فأعاد الضمير بلفظ الجمع، فَكَذَلِكَ فِي قَوْله: " إِنَّمَا يرحم اللَّه من عباده الرحماء "، ولك عَلَى هَذَا الوجه أَن تجعل " إِن " العاملة، وأن تجعلها بمعنى " نعم " عَلَى مَا سبق.
الوجه الثَّانِي من وجوه " مَا " الَّتِي يَجُوز معها رفع " الرحماء ": أَن تكون، " مَا " نكرة موصوفة فِي موضع: فريق أو قبيل، و " يرحم " صفة لها، و " الرحماء " الْخَبَر، والعائد من الصفة إِلَى الموصوف محذوف، تقديره: إِن فريقا يرحمه اللَّه: الرحماء.
فَإِن قيل: كَيْفَ يصح الابتداء بالنكرة، والإخبار بالمعرفة عَنْهَا؟.
قيل: النكرة هنا قَدْ خصصت بالوصف، والرحماء لا يقصد بهم قصد قوم بأعيانهم.
فكان فِيهِ كَذَلِكَ نوع إيهام. فلما قرنت النكرة هنا بالصفة من المعرفة، وقرنت المعرفة من النكرة بِمَا فِيهَا من إبهام: صح الإخبار بها عنها، على أن كثيراً من النكرات يجري مجرى المعارف فِي بَاب الأخبار إِذَا حصلت من ذلك فائحة، والفائحة هنا حاصلة.
الوجه الثالث: أَن تكون " مَا " مصدرية، وَفِي تصحيح الإخبار عَنْهَا بالرحماء ثلاثة أوجه.
الصفحة 246