القدم، وأقاموا عليها قواعد المدنية البشرية، تجدها أموراً كثيرة من الصلاح والخير تُوُورِثَت من نصائح الآباء والمعلمين والمربين والرسل والحكماء والحكام العادلين حتى رسخت في البشر، مثل إغاثة الملهوف، ودفع الصائل، وحراسة القبيلة والمدينة، والتجمع في الأعياد، واتخاذ الزوجة، وكفالة الصغار، والميراث. إلَّا أن هذه الفضائل والصالحات ليست متساويةً الفشو في الأمم والقبائل. فلذلك لم يكن للشريعة العامة غُنية عن تطرّق هذه الأمور ببيان أحكامها من وجوب أو ندب أو إباحة، وبتحديد حدودها التي تناط أحكامُها عندها. فالنظر إلى اختلاف الأمم والقبائل في الأحوال من أهم ما تقصده شريعة عامة كما أنبأ عن ذلك حديث الموطأ (¬1) وصحيح مسلم: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لقد هممت أن أحرّم الغِيلَة (في الرضاع) لولا أن قوماً من فارس يفعلونها ولا تضرّ أطفالهم" (¬2).
¬__________
(¬1) بالأصل: حديث الموطأ والصحيحين.
(¬2) روى مالك عن عائشة أم المؤمنين عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك. فلا يضرّ أولادهم": 30 كتاب الرضاع، 3 باب جامع مما جاء في الرضاعة، ح 17. طَ: 2/ 607 - 608؛ انظر 16 كتاب النكاح، 23 باب جواز الغيلة وهي وطء المرضع، ح 140 - 142. مَ: 2/ 1066 - 1067. وأورده أيضاً أصحاب السنن. انظر 22 كتاب الطب، 16 باب في الغَيْل، ح 3882. دَ: 4/ 211؛ انظر 29 كتاب الطب، 27 باب ما جاء في الغيلة، ح 2076، 2077. تَ: 4/ 405 - 406؛ انظر 26 كتاب النكاح، 54 باب الغيلة، ح 3324. نَ: 6/ 106 - 107؛ انظر 11 كتاب النكاح، 33 باب في الغيلة، ح 2223. دَي: 2/ 468؛ انظر 9 كتاب النكاح، 61 باب الغيل، ح 2011. جَه: 1/ 648.
ولم أقف عليه في البخاري. وأخرج مثل هذا الحديث مسلم من رواية =