كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

الأرواح. وإسناده لملائكة كثيرين؛ لأن لملك الموت أعواناً كثيرين يقبضون معه أرواح الناس بأمره. قال بعض أهل العلم: يقبض أعوانه الروح حتى تبلغ الحلقوم فيأخذها ملك الموت (¬1). والآيات دلت على أن له أعواناً كثيرة من الملائكة يقبضون معه الأرواح، كقوله هنا: {حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} وكقوله: {تَوَفَّتهُ رُسُلنَا وَهُم لاَ يُفَرِّطُونَ} {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ} {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: آية 50] عياذاً بالله جلَّ وعلا.
{حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ} [الأعراف: آية 37] أي: ذلك الإنسان الذي استكمل في دار الدنيا نصيبه من الكتاب، بأن أكل جميع ما كُتب له من الرزق، ونال ما كُتب له من الشهوات واللذات والأجل، ونال ما قَدَّر الله عليه من الشرور في الدنيا، حتى إذا انقضى أجله، وجاء الوقت المحدد لموته جاءته {رُسُلُنا} أي: ملك الموت وأعوانه ليقبضوا روحه وينزعوها من بدنه، وسنذكر كيفية ذلك في قوله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} [الأعراف: آية 40] في الآيات القريبة.
{جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} في هذه الآية وجهان من التفسير (¬2): التحقيق أنها الوفاة بقبض الأرواح في دار الدنيا، وأنهم إذا جاءهم [الملائكة] (¬3) يقبضون أرواحهم في دار الدنيا يوبخونهم ويقرعونهم عند أخذ الروح، ويقولون لهم: أين
¬_________
(¬1) السابق.
(¬2) انظر: ابن كثير (2/ 212).
(¬3) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.

الصفحة 213