كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ أيْنَ مَنْ كنْتُمْ تعبدون مع الله؟ نادوهم فلينقذوكم منا ويخلصوكم منِ هذا الموت وما بعده من العذاب. وعلى هذا القول فقوله: {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يعني: بقبض الأرواح. وفيه قولٌ آخر، وهو ضعيف، إلا أنه ذكره جماعة من علماء التفسير (¬1)، أن هذا يوم القيامة إذا حشر الخلق جاءت رسل الله، وهم الملائكة الموكلون بالنار يتوفونهم، أي: يأخذون أهل النّار وافين؛ لأن جميع أهل النار مكتوبون في ديوان، مُعَيَّنة به أسماؤهم، وأسماء آبائهم، وأنسابهم، وقبائلهم، والملائكة الموكلون عندهم السجلات يأخذونهم واحداً واحداً حتى يستوفوا العدد المكتوب. هذا قول في الآية. والأوّل هو الصحيح. وعلى هذا القول فقوله: {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يأخذون عددهم وافياً. والقول الأوّل: {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} بقبض الأرواح.
{قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} يقوله لهم الملائكة عند قبض الروح توبيخاً وتقريعاً، ويضربونهم أيضاً مع ذلك، كما قال جلّ وعلا: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: آية 50] والعياذ بالله.
{أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} (أين) هنا هي الاستفهامية. و (ما) موصولة. أين الذين كنتم {تَدْعُونَ}؟ أي: تعبدون {مِن دُونِ الله}، أي: مع الله (جلّ وعلا) وتجعلونهم شركاء معه؟ أين هم؟ نادوهم فليحضروا فليخلصوكم وينقذوكم!! وهذا من التوبيخ والتقريع والتعذيب.
¬_________
(¬1) انظر: ابن جرير (12/ 415).

الصفحة 214