كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
الذي ادعى اليهود به أنهم قتلوه: أن الله ألقى شبهه على رجلٍ آخر، فظنوه إياه، فقتلوه، وظنوا أنهم قتلوه، والله يقول: {لَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ} إلى أن قال: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} ثم قال: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: آية 159] أي: بعيسى ابن مريم في آخر هذا الزمان {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت عيسى ابن مريم. وهذا هو التحقيق في معنى الآية والذي دلّ عليه ظاهر القرآن، وبينته السنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما قول بعضهم الذي يزعمونه عن ابن عباس أن معنى: {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت ذلك الكتابي (¬1). فهو أمر غير معقول؛ لأن من أهل الكتاب من يموت في نومه، ومن يموت فجأة، ومن تأخذه سكتة قلبية، ومن يُقطع رأسه فجأة. فهذا لا يمكن أن يؤمن به قبل موته، أي: قبل موت الكتابي كما لا يخفى على أحد.
أما الأحاديث بأن عيسى حي، وأنه ينزل، فهي متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطعن فيها إلا ملحد (¬2).
أما قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} فيجاب عنه بأجوبة:
أحدها: أن المراد بها هنا: التوفي اللغوي، كما ذكرنا. أي: قابضك إليَّ وافياً بجسمك وبدنك، وغاية ما في الباب أنه قُدِّمت هنا الحقيقة اللغوية على الحقيقة العرفية التي هي إطلاق الوفاة على قبض الروح خاصة؛ لأن الحقيقة اللغوية هنا اعتضدت بظاهر القرآن وبالسنة المتواترة، والحقيقة اللغوية إذا قامت عليها مرجحات
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (146) من سورة الأنعام.
(¬2) السابق.