كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
رجحت على الحقيقة العرفية كما هو معروف في الأصول.
الثاني: أن نقول: إن الله قال: إنه متوفيه، ولا شك أنه متوفيه، ولكن لم يقل: إن تلك الوفاة أنها وقعت، ولا عيّن وقتها، غاية ما في الباب أنه قال: إنه متوفيه، وهو صادق، وهو متوفيه، ولكن أين أنه توفاه بالفعل؟ فإن قالوا: عطف عليه قوله: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: آية 55] فذكر الوفاة قبل الرفع. قلنا: العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك (¬1)، وقد يكون المعطوف بالواو هو الأول، كما في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} [الأحزاب: آية 7] وهو صلى الله عليه وسلم بعد نوح بأزمان. وأجمع أهل اللسان العربي أنه يجوز أن تقول: جاء زيد وعمرو. ويكون المعطوف بالواو هو الأوَّل؛ لأن الواو لا تقتضي إلا مطلق التشريك.
فإن قال قائل: دل الحديث على أن الواو قد تقتضي الترتيب، كقوله صلى الله عليه وسلم لما رقي على الصفا: «أبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» (¬2) والترتيب بين الصفا والمروة بالواو في قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله} [البقرة: آية 158] وفي رواية: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» وهنا واو، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الواو كأنها تقتضي الترتيب وتقتضي بدء ما بدأ الله به.
فالجواب ما أجاب به جماعة من قدماء علماء العربية من أنّ الواو كما أنها لا تقتضي الترتيب فإنها لا تمنع من أن يراد بها الترتيب إذا دلّ على ذلك دليل جازم خارج عن أصل الوضع، أما إذا تجردت
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (146) من سورة الأنعام.
(¬2) السابق.