كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

من الأدلة فإنها لا تقتضي ترتيباً وإنما عرف الترتيب بها هنا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي دل على الترتيب دليل خارج، لا نفس أصل الواو. ومنه بهذا المعنى قول حَسّان (على رواية الواو) (¬1):
هَجَوتَ محمَّداً فأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الجَزَاءُ

لأن الواو هنا بـ «وأجبت عنه» الجواب بعد الهجاء. وهذا إذا دلت عليه قرينة ودليل خارج لا مانع من أن تكون الواو للترتيب، لكنها عند الإطلاق لا تكون للترتيب.
الثالث: قال بعض العلماء: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: آية 55] أي: منيمك؛ لأن الله -قالوا- لما أراد رفعه ألقى عليه النوم. أي: منيمك {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} في تلك النومة لئلا تنزعج من الرَّفْعِ إلى السَّمَاءِ، والله قد يطلق الوفاة على النوم، وأطلق الوفاة على النوم في موضعين من كتابه:
أحدهما: قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} [الأنعام: آية 60] أي ينيمكم في الليل {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}.
الثاني: قوله {الله يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} [الزمر: آية 42] فالحاصل أن هذه الآيات ليس فيها ما يدل على موت عيسى ابن مريم، وأن القرآن دلّ على أنه حي؛ لأن الله قال: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: آية 159] والضمير عائد إلى عيسى على التحقيق لا إلى الكتابي كما بينا. وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الفائضة - وهو الصادق
¬_________
(¬1) السابق.

الصفحة 219