كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

ثم قال جلَّ وعلا: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} {ادَّارَكُواْ} أصله: تداركوا. والمعروف في علم العربية أن (تفاعل) و (تفعَّل) يكثر فيهما الإدغام واستجلاب همزة الوصل عند الإدغام (¬1). فقوله: {ادَّارَكُواْ} أصله (تداركوا) {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ} [التوبة: آية 38] أصله (تثاقلتم) {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: آية 72] أصله (فتدارءتم). وكذلك في (تفعَّل) كقوله: {وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا} [يونس: آية 24] أصله (تزينت) {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} [النمل: آية 47] أصله: (تطيرنا) وهذا الإدغام معروف في كلام العرب، ومثله في (تفاعل) كما هنا قول الشاعر (¬2):
تُولي الضَّجِيعَ إذا ما الْتَذَّهَا خَصِرَا ... عذبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ
يعني: إذا ما تتابع القُبَلُ. {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} أي: تلاحقوا وأدرك الآخِرُ الأول واجتمعوا في النار جميعاً - والعياذ بالله، أعاذنا الله منها ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل - شكا عند ذلك الوقت الأتباع الضعفاءُ رؤساءهم المتبوعين وقالوا لهم- أي لأجلهم؛ لأنهم يخاطبون الله ولا يخاطبون الرؤساء المتبوعين، قالوا يشكونهم لله (جلَّ وعلا)، ويطلبونه أن يزيد عليهم العذاب لإضلالهم إياهم-: {رَبَّنَا} معناه: يا ربنا، يا خالقنا وسيدنا ومدبر أمورنا، {هَؤُلاَءِ} الرؤساء من قادة الكفرة {أَضَلُّونَا} هم الذين أضلونا عن طريق الصَّواب، ومنعونا من اتباع الرسل ومن طاعتك وامتثال أمرك، فقد
¬_________
(¬1) انظر: البحر المحيط (4/ 296)، الدر المصون (1/ 434)، (5/ 313)، وراجع ما مضى عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة.
(¬2) مضى هذا الشاهد عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة.

الصفحة 225