كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166)} [البقرة: آية 166] فلما تبرأ المتبوعون من الأتباع تمنى عند ذلك الأتباع الرجعة إلى الدنيا {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} (لو) هنا تمنياً، يا ليت لنا كرة. أي: رجعة ثانية إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} لما شكا الأتباعُ المتبوعين وقالوا لربهم: هؤلاء أضلونا فضاعف لهم العذاب عذاباً على الضلال وعذاباً على الإضلال.
قال الله مجيباً لهم: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ} [الأعراف: آية 39] لكل منكم ومنهم ضِعْف، أما ضعف المتبوعين الرؤساء فلا إشكال في مضاعفة العذاب عليهم؛ لأن ضِعْفاً على ضلالهم، وضِعفاً على إضلالهم؛ لأنهم هم الذين سنوا لهم الضلال «ومَنْ سنَّ سُنة سيئة فعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوْمِ القِيَامة لا ينقص ذلك مِنْ أوزَارِهِم شَيْئاً» (¬1) وقد بيّن الله أن رؤساء الضلالة المتبوعين عليهم وزر ضلالهم ووزر إضلالهم في آيات كثيرة كقوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: آية 13] وكقوله جل وعلا: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (25)} [النحل: آية 25].
ومضاعفة العذاب على الرؤساء قادة الضلالة لا إشكال فيه {الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني في أنفسهم {وَصَدُّواْ} غيرهم {عَن سَبِيلِ الله
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم من حديث جرير (رضي الله عنه) في العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ... ، حديت رقم: (1017)، (4/ 2059)، وقد أخرجه في موضع قبله (2/ 704، 705).
كما أخرج نحوه من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) برقم: (2674).

الصفحة 227