كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: آية 103] فمن عمل بهذين الأصلين فأعد القوة الكافية، وكانت كلمة المسلمين حول تلك القوة كلمة واحدة، وصفّاً واحداً لا يتخلله خلل ولا فشل، كانت قوتهم وافية، وكلمتهم عالية؛ وعدوهم يهابهم، ولا يستطيع أن ينتهكهم.
وبيانه للسياسة الداخلية من المحافظة على الأموال، والأعراض، والأنفس، والعقول، والأديان حتى يكون المجتمع في طمأنينة، ورَفَاهَةٍ، ورخاء، قد أشرنا إليه مراراً (¬1). فدين الإسلام دين التقدُّم في جميع الميادين، لا دين إخلاد إلى الأرض وضعفٍ وركود، بل هو دين تقدُّم في الميادين. وخذوا أمثلة في القرآن في ذلك:
اقرءوا إن شئتم آيتين من سورة النساء في صلاة الخوف، يقول الله فيهما: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: آية 102] وفي هاتين الآيتين: هذا وقت التحام الكفاح المسلَّح، والمفروض أن الرجال تنزل رؤوسهم عن أعناقهم!! وكتاب الله وقرآنه العظيم في هذا الوقت يُعلِّم تدبير الخطة العسكرية على أكمل الوجوه وأبدعها ليتسنى للمسلمين في ذلك الوقت الحَرِج، وذلك الامتحان العسكري أن يتصلوا بخالق السماوات والأرض، ويأتوا بأدب من آداب السماء، وتتصل أرواحهم بالله، وهو الصلاة في الجماعة في هذا الوقت الحَرِج.
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

الصفحة 233