كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

واقرءوا من سورة الأنفال قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا .... (¬1) [الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ} فقوله: {فَاثْبُتُواْ} تعليم عسكري سماوي، يأمر به خالق السماوات والأرض بالصمود في الميدان في خطوط النار الأمامية. وفي هذا الوقت الضنك يقول الله (جل وعلا): {وَاذْكُرُواْ الله كَثِيراً} [الأنفال: الآية 45] هكذا فليكن المؤمن قويّاً في جميع الميادين، محافظاً على آدابه الروحية، متصلاً بربه صلة روحية؛ لأن الروح المهذبة على ضوء التعليم السماوي تقود المادة والقوة قيادة طبيعية حكيمة ليس بها ويلة على البشر.
[17/أ] ثم أنتم تعلمون في التاريخ أنه]، / لمّا حاصرهم الأحزاب في غزوة الخندق ذلك الحصار العسكري التاريخي العظيم، الذي نوَّه الله بشأنه، وذكر هوله وشدته في سورة الأحزاب في قوله: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} أي من الخوف {وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)} [الأحزاب: الآيتان 10، 11] هذا ليس زلزال أرض، ولا أن المدينة تزلزلت أرضها وجبالها، ولكنه زلزال خوف وشدة هول من كثرة العدو وإحاطته وقوته، لما جاءهم هذا الأمر العظيم ماذا قابلوا به هذا الأمر العظيم؟! وهم في ذلك الوقت ضعاف في العَدد والعُدد، يقاطعهم جميع أهل الأرض في السياسة والاقتصاد، ليست بينهم روابط سياسية مع أحدٍ من أهل الدنيا في ذلك الحين، ولا روابط اقتصادية، وهو الوقت الذي رؤي فيه صلى الله عليه وسلم يشدُّ حزامه على الحجارة من الجوع كما ذكره الأخباريون وأصحاب السير.
في هذا
¬_________
(¬1) في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل، وتم استدراك النقص من كلام الشيخ (رحمه الله) عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

الصفحة 234