كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

الدين بصلة أن تأخذها من الكافر الخنزير الخسيس.
وقد بيّنا مراراً (¬1) أننا نذكر ثلاثة أمثلة لهذا لنبين للناس مرانة دين الإسلام، وأنه ليس بدين خمول ولا دين تأخر، بل هو دين كفاح، ودين قوة، ودين تقدم في جميع الميادين، والنصر يأتي فيه من السماء لأن أهله يربون أرواحهم على ضوء تعليم الله (جلّ وعلا)، ويتصلون بخالقهم، فهم حزبه، وهم جيشه، وهو ناصرهم (جلَّ وعلا) على عدوهم، ومما يدل على أن دين الإسلام لم يمنع أخذ الأمور الدنيوية حتى ولو من الكفرة الفجرة: أن نبينا صلى الله عليه وسلم -وهو القدوة لنا صلوات الله وسلامه عليه- لما تعاونت عليه قوى الشر، واجتمع عليه جميع قريش، ودبّروا خطتهم أن يأتيه -مثلاً- رجل من كل قبيلة، فيضربوه ضربة واحدة، فيتفرق دمه في قبائل قريش، فيقبل أولياؤه الدية. ودبّروا هذه الخطة، واضطر صلى الله عليه وسلم للخروج مهاجراً، ودخل هو وصاحبه في غار، كما قصه الله في تاريخ القرآن في سورة براءة {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: آية 40] وجد في ذلك الوقت خبيراً كافراً عنده خبرة دنيوية، ولكنه هو كافر، وهذا الخبير يسمى عبد الله بن الأريقط الدؤلي، من بني دؤل من كنانة، عنده خبرة دنيوية وهو كافر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لمرانته وقوته وعلمه بمصالح الدنيا والآخرة لم يمتنع من الانتفاع بخبرته الكافرة بسبب كفره، بل أعطاه الركائب -مراكبه هو ومن معه- وقال: في الوقت الفلاني تعال عندنا واسلك بنا طريقاً غير معهودة؛ لأن الطرق المعهودة عليها العيون والرصد من كفار قريش، وقد جعلوا الجعائل لمن يأتيهم
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

الصفحة 237