كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
به صلى الله عليه وسلم، فجاءه ابن الأريقط، وصار مع كفره أميناً في المعاملة، وجاءهم بمراكبهم في الوقت المعيّن، وذهب بهم في طريق غير مسلوك إلى جهة الساحل، حتى أوصلهم المدينة بسلام (¬1)،
وحاشا بهم الطرق المعروفة التي عليها العيون والرصد، فهذا انتفاع من النبي صلى الله عليه وسلم بخبرة خبير كافر، ولم يمنعه كفره من أن ينتفع في دنياه بتلك الخبرة على حدّ قولهم: (اجتنِ الثمار وألْقِ الخشبة في النار) (¬2).
وكذلك لما حاصرهم المشركون ذلك الحصار العسكري المنوَّه عنه آنفاً في الأحزاب - كما ذكر أصحاب السير، وأصحاب الأخبار (¬3) - أن سلمان الفارسي قال له: كنا يا رسول الله إذا خفنا خندقنا. فالخندق أشار إليه سلمان، وبيّن أنه خطة عسكرية ابتكرتها أذهان الفرس، وهم إذ ذلك مجوس يعبدون النار، فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الانتفاع بتلك الخطة العسكرية أن الأذهان التي ابتكرتها أذهان كفرة فجرة يعبدون النار وهم الفرس، بل جعل ذلك الخندق واستعان به على القوم، فهذه خطة عسكرية أصلها للكفار، وانتفع بها النبي صلى الله عليه وسلم في دنياه وهو مرضٍ ربه.
وكذلك قد ثبت في صحيح مسلم (¬4) أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ أن يمنع وطء النساء المراضع؛ لأن العرب كانوا يعتقدون أن الرجل إذا أتى امرأته وهي ترضع ولدها أن غشيانه أم الولد وهي ترضعه أن ذلك
¬_________
(¬1) السابق ..
(¬2) السابق.
(¬3) السابق.
(¬4) السابق.