كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

ولما قالوا هذا الكلام: {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} قالوا هذا {وَنُودُواْ} [الأعراف: آية 43] أي: نودوا من قِبَل الله، ناداهم الله أو ملك من الملائكة بأمر الله {أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ} [الأعراف: آية 43] (أن) هذه فيها وجهان (¬1): زعم بعضهم أنها المخففة من الثقيلة. و (أنْ) إذا خففت من الثقيلة - (أن) المفتوحة - لم يبطل عملها، ويكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها. وأظهر القولين أنها هنا هي التفسيرية. ومعنى التفسيرية أن ما بعدها يفسر ما قبلها، فنفس النداء الذي نودوا به هو قوله: {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: آية 43] وضابط أَنْ التفسيرية: التي يكون ما بعدها تفسيراً لما قبلها هي أن يتقدمها ما فيه معنى القول وليس فيه حروف القول (¬2)، أعني: (القاف، والواو، واللام) وقد تقدمها ما فيه معنى القول؛ لأن النداء فيه معنى القول، وليس فيه حروف القول، فيظهر أنها تفسيرية، خلافاً لمن زعم أنها مخففة من الثقيلة.
{تِلْكُمُ الْجَنَّةُ} (تلك) إشارة إلى الجنة، نظراً إلى أنها اسم جنس. وقوله: «كُم» هو حرف خطاب للمخاطبين؛ لأنهم جمعٌ كثير {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} معناه: أعطيتموها. فإيراث الجنة: إعطاؤها وليس المراد به أنها مأخوذة من أموات كميراث الميت، كما يزعمه بعضهم، بل المراد بإيراثها: أن الله أعطاهم إياها، وأدخلهم إياها، وأباحها لهم، خلافاً لمن زعم أن معنى إيراثهم لها أن الله جعل لكل نفس منفوسة مسكناً في الجنة ومسكناً في النار، فإذا أدخل أهل الجنة
¬_________
(¬1) انظر: البحر المحيط (4/ 300)، الدر المصون (5/ 324).
(¬2) مضى عند تفسير الآية (111) من سورة الأنعام.

الصفحة 268