كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
أنه قال: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» (¬1) وهذا الحديث الصحيح أصله فيه إشكال بينه وبين هذه الآيات التي يستدل بها المعتزلة، كقوله هنا: {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً (63)} [مريم: آية 63] وأمثال ذلك.
وللعلماء أجوبة كثيرة عن الإشكال بين الحديث وبين هذه الآيات وما جرى مجراها من الآيات (¬2)، وأظهر أوجه التوفيق عندنا: أن العمل الصالح لا ينفع صاحبه إلا إذا تَقَبَّلَهُ الله منه، ولا يَعْمَلُ عَمَلاً صالحاً إلا إِذا وفَّقَه الله إليه وأعانَهُ عليه. فلما كان العمل الصالح الذي
¬_________
(¬1) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة، منهم:
1 - أبو هريرة (رضي الله عنه)، عند البخاري في الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، حديث رقم (6463)، (11/ 294). ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله ... ، حديت رقم (2816)، (4/ 2169).
2 - عائشة (رضي الله عنها)، عند البخاري في الموضع المتقدم، حديث رقم (6464، 6467)، (11/ 294)، ومسلم في الموضع المتقدم من صحيحه، حديث رقم (2818)، (4/ 2171).
3 - جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما)، عند مسلم، في الموضع المتقدم من صحيحه. حديث رقم (2817)، (4/ 2170).
(¬2) انظر: شرح الطحاوية ص641، ولشيخ الإسلام (رحمه الله) رسالة تعرف بـ (رسالة في دخول الجنة، هل يدخل أحد الجنة بعمله أم ينقضه قوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» وهي ضمن جامع الرسائل (1/ 143)، وانظر حادي الأرواح ص61.