كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
عذاب النار لا من حرّها ولا من نتنها ولا من أذاها، كما أن أهل النار لا ينالهم شيء مما في الجنة من النعيم، لا من بردها، ولا من نسيم روائحها الشذية، وهذا معنى قوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ}.
{وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} الأعراف في اللغة: جمع عُرْف، والفُعْل يُجمع على أفعال. والعُرْف في لغة العرب هو كل مكان من الأرض مرتفع تسميه العرب عُرْفاً (¬1)، فالجبل المرتفع والرمل المرتفع تسميه العرب عُرْفاً، ومن ذلك عرف الديك لارتفاعه على سائر بدنه، وعُرْف الفرس لارتفاعه على سائر بدنها، فكل مرتفع تسميه العرب عُرْفاً، وتجمعه على أعراف، وربما قالوا للعُرْف عُرُف بضمتين، ومنه قول الكُميت (¬2):
أبْكَاكَ بِالعُرُفِ المَنْزِلُ ... وما أَنْتَ والطَّلَلُ المُحْوِلُ
وهذه الأعراف معناها بإطباق المفسرين: أماكن مرتفعة عالية، وأكثر المفسرين على أنها هي أعاليها، والسور وشرفاته؛ لأن هذا الحجاب المضروب بين أهل الجنة والنار، والسور الذي له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب له شرفات -أي: أعاليه له شرفات- مرتفعة في أعلاه هي الأعراف التي عليها هؤلاء الرجال المذكورون. وعلى هذا القول أكثر المفسرين، خلافاً لمن زعم أن الأعراف مرتفعات فوق الصراط عليها رجال على هذه المرتفعات
¬_________
(¬1) انظر: المجمل لابن فارس، كتاب العين، باب العين والفاء وما يثلثهما. ص513 تفسير ابن جرير (12/ 449)، القرطبي (7/ 211)، الدر المصون (5/ 328)، معجم البلدان (4/ 105).
(¬2) البيت في الصحاح، باب الفاء، فصل العين (4/ 1401)، معجم البلدان (4/ 105).