كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
{أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} بعضهم يقول: مما رزقكم الله من الأنواع التي تشبه الماء كالألبان وكالخمر؛ لأن الإفاضة يظنون أنها تختص بالسائلات، وعلى هذا قدروا في قوله: {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} أو ألقُوا إلينا مما رزقكم الله. وهذا وإن كان سائغاً في اللغة العربية - أن يُحذف فعل يدل [عليه] (¬1) المقام، وهذا موجود كثيراً في اللغة العربية - إلا أنه لا يُحتاج إليه في هذه الآية الكريمة، وهو معروف في كلام العرب، كقول الراجز (¬2):
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ... حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
لأن الماء البارد لا يُعلف. يعني: علفتها تبناً وسقيتها ماءً، ومنه قول الآخر (¬3):
إِذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وَزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا
لأن العيون لا تُزجج. والمعنى: وأكحلن العيون. وقول الآخر (¬4):
وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الْوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
لأن الرمح لا يُتقلد. أي: وحاملاً رمحاً. وهذا كثير في المنصوبات. ومن أمثلته في المرفوعات قوله جل وعلا - على أحد التفسيرين - {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)} لأن الجلود لا تصهر. أي: لا تُذاب. معناه: وتحرق الجلود. ونظيره في
¬_________
(¬1) في الأصل: «على».
(¬2) البيت في الخصائص (2/ 431).
(¬3) مضى عند تفسير الآية (108) من سورة الأنعام.
(¬4) البيت في الخصائص (2/ 431)، شرح القصائد المشهورات (1/ 133).