كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

فَلاَ شُفْعَةَ» (¬1). فَعُلِمَ أنه لم تكن هناك شفعةٌ إلا مع الاشتراكِ في الأرضِ أو في الطريقِ كما هو معروفٌ. ومثالُ التأويلِ البعيدِ يمثلُ له بعضُ أهلِ الأصولِ ... - بعضُهم يجيءُ بما يُخَالِفُهُ به الآخَرُ - والمعروفُ عندَ علماءِ الأصولِ: أن الأصوليَّ يكونُ مَالِكِيًّا مثلاً فيمثلُ بشيءٍ ضِدَّ مذهبِه، وقصدُه فَهْمُ القاعدةِ. ويكون شَافِعِيًّا مثلا ويمثلُ بمثالٍ مخالفٍ لمذهبِه لِتُفْهَمَ القاعدةُ. وقصدنا بكلامهم هنا المثالُ لا مناقشة أدلةِ الأقوالِ.
والشافعيةُ والمالكيةُ والحنبليةُ يمثلونَ للتأويلِ البعيدِ بِحَمْلِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ (رحمة الله على الجميعِ) المرأةَ في حديثِ عائشةَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» (¬2) قالوا: حَمْلُ أَبِي حنيفةَ للمرأةِ على المُكاتَبَةِ تأويلٌ بعيدٌ؛ لأنه بعيدٌ من ظاهرِ النصِّ، ولم يَقُمْ دليلٌ جازمٌ عليه؛ لأن (أي) صيغةُ عمومٍ، والعمومُ أُكِّدَ بلفظةِ (ما) فَلاَ يَحْسُنُ حَمْلُهُ على صورةٍ نادرةٍ قد لا تَخْطُرُ في الذهنِ وهو الْمُكَاتَبَةُ. قالوا: وكقولِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ (رحمة الله على الجميعِ): {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: آية 4]
¬_________
(¬1) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الشريك من شريكه، حديث رقم: (2213)، (4/ 407). وأطرافه: (2214، 2257، 2495، 2496، 6976) من طريق أبي سلمة عن جابر، وأخرجه مسلم في المساقاة باب الشفعة، حديث رقم: (1608)، (3/ 1229) من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ مغاير.
(¬2) أحمد (6/ 66)، (166)، وأبو داود في النكاح، باب في الولي. حديث رقم (2069)، (6/ 98،100)، والترمذي في النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي. حديث رقم (1102)، (3/ 398 - 399)، وابن ماجه في النكاح، باب لا نكاح إلا بولي. حديث رقم (1879)، (1/ 605)، وهو في صحيح أبي داود (1835)، وصحيح الترمذي (880)، وصحيح ابن ماجه (1524)، الإرواء (1840)، المشكاة (1331).

الصفحة 339