كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
بينَ الذاتِ والذاتِ.
كذلك صفاتُ الأفعالِ، فاللَّهُ (جل وعلا) وَصَفَ بها نفسَه، ووصفَ بها خَلْقَهُ، فوصفَ نفسَه بصفةِ الفعلِ التي هي الرِّزْقُ، وأنه يرزقُ الناسَ، قال: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: الآية 6] {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} [الذاريات: الآية 58] فهذه صفةُ فِعْلٍ، ووصفَ بعضَ خلقِه بها فقال: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: الآية 233] {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ} [النساء: الآية 8] فَرزْقُ اللَّهِ لائقٌ بكمالِه وجلالِه، ورِزقُ بعضِ المخلوقين لبعضٍ لائقٌ بحالِهم، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ. كذلك وَصَفَ نفسَه بالفعلِ الذي هو العملُ، قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا (71)} [يس: الآية 71] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعملِ فقال: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} [السجدة: الآية 17] وبينَ العملِ والعملِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه يعلُّم خلقَه قال: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3)} [الرحمن: الآيات 1 - 3].
ووصفَ بعضَ خلقِه بالتعليمِ قال: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: الآية 164] وَجَمَعَ المثالين في قولِه: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ} [المائدة: الآية 4] فالتعليمُ والتعليمُ بينَهما من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه يُنَبِّئُ، ووصفَ بعضَ خلقِه بالفعلِ الذي هو التَّنْبِئَةُ، وجمعَ المثالين في قولِه: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: الآية 3] ووصفَ نفسَه بأنه يُؤْتِي، ووصفَ بعضَ خلقِه بأنه يُؤْتِي، فالفعلُ الذي هو الإيتاءُ أسندَه لنفسِه مرةً ولخلقِه مرةً، قال عن نفسِه: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: الآية 269] {مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران: الآية 26] {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: الآية 258] إلى غيرِ ذلك.
ووصفَ بعضَ المخلوقين بالإيتاءِ قال: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: الآية 20] {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: الآية 2] وليس الإيتاءُ كالإيتاءِ، فالفرقُ بينَهما كالفرقِ بينَ الذاتِ والذاتِ.
وكذلك الصفاتُ الجامعةُ كالكِبَرِ وَالْعُلُوِّ والعِظَمِ والجبروتِ والمُلكِ والتكبرِ، كلها وَصَفَ به نفسَه في كتابِه،
الصفحة 369