كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
مِنْ قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)} [الزخرف: آية 45] فإخلاصُ العبادةِ لخالقِ السماواتِ والأرضِ هو دعوةُ الرسلِ التي جاؤوا بها كُلُّهُمْ عليهم صلواتُ اللهِ وسلامُه؛ ولذا أَمَرَ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم في سورةِ الأنبياءِ أن يقولَ: إنه لم يُوح إليه شيءٌ إلا عبادة اللهِ وحدَه، وإفرادُه بالعبادةِ في قولِه: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء: آية 108] و (إنما) مِنْ صِيَغِ الحصرِ كما هو مقررٌ في المعانِي في مبحثِ القصرِ (¬1)،
وفي الأصولِ في مبحثِ العامِّ (¬2)؛ لأن كلمةَ (لا إله إلا الله) هي التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وهي المتضمنةُ توحيدَ العبادةِ بنفيها وإثباتها، فَنَفْيُهَا يتضمنُ: خلعَ جميعِ أنواعِ المعبوداتِ غيرَ اللهِ في جميعِ العباداتِ، وإثباتُها يتضمنُ: إفرادَه - جل وعلا - بالعبادةِ دونَ غيرِه، وهذا معنَى قولِهم: (لاَ إِلَهَ) نَفْيٌ (إِلاَّ اللَّهُ) إِثْبَاتٌ.
وهذه الكلمةُ الشريفةُ التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وَخُلِقَتْ من أجلها الجنةُ والنارُ، وهي التي جاء بها جميعُ الرسلِ - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم - وَلِذَا قال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 65] قد بَيَّنَّا معنَى هذه الجملةِ والقراءاتِ فيها في قضيةِ نوحٍ (¬3)، ومعنَى الكلمتين واحدٌ لا فَرْقَ بينَهما. {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} إلا أن نوحًا قال لقومِه: {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] وهودًا قال لقومِه: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [الأعراف: آية 65] يعني:
¬_________
(¬1) انظر: الإيضاح للقزويني ص125 ..
(¬2) انظر: شرح الكوكب المنير (3/ 515)، وهي تُذْكَرُ عادةً في كتب الأصول في الكلام على المفاهيم.
(¬3) راجع ما تقدم عند تفسير الآية (59) من سورة الأعراف.