كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

النَّاسَ} [يونس: آية 2] وقال في أولِ سورةِ ق: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِّنْهُمْ} [ق: آية 2] والآياتُ بمثلِ ذلك كثيرةٌ.
وقد بَيَّنَّا (¬1) أن أظهرَ الوجهين في قولِه: {أَوَعَجِبْتُمْ} أن الهمزةَ تتعلقُ بمحذوفٍ، والواو مفتوحة؛ لأنها عاطفةٌ على ذلك المحذوفِ، وتقديرُه: أكفرتُم وعجبتُم أن يأتيكم ذِكْرٌ من ربكم على رجلٍ منكم؟ وقد فَسَّرْنَا الآيةَ، وبينا أن الذِّكر هو المواعظُ والأوامرُ والنواهي التي تأتيهم بها الرسلُ، وأن قولَه: {عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ} على لسانِ رجلٍ منكم، لأن أنبياءَ اللهِ رجالٌ كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} [يوسف: آية 109] فلم يُرْسِلِ اللهُ امرأةً قَطُّ؛ ولذا قال: {عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} كما أوضحناه في مقاولةِ نوحٍ لقومِه.
ثم إن نبيَّ اللهِ هودًا قال هنا لقومِه ما لم يَقُلْهُ نوحٌ لقومِه، وهو قولُه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية 69] {وَاذكُرُوا} نِعَمَ اللهِ عليكم: {إِذْ جَعَلَكُمْ} خلفاءَ في الأرضِ، يعني: بأن أَهْلَكَ قومَ نوحٍ واستخلفكم في الأرضِ فجعلكم خلفاءَ في الأرضِ آمِنِينَ فيها، عليكم نعم اللهِ مُسْبَلَةً.
والخلفاءُ: جمع خليفةٍ، وهو مَنْ يُستخلف بعدَ مَنْ كان قبلَه. قال بعضُ العلماءِ: إنما قيل لهم (خلفاءَ) لأنهم صاروا خَلَفًا من قومِ نوحٍ حيث أَهْلَكَ اللهُ أولئك وأسكن هؤلاء في الأرض بعدَهم، فكانوا خَلَفًا من بعدهم، وخلفاءَ مِنْ بعدِهم. وقال بعضُهم: إنهم خلفاءُ أي: فيهم ملوكٌ، والعربُ تُسَمِّي الخليفةَ الذي يكونُ مَلِكًا بعدَ مَنْ
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (75) من سورة البقرة.

الصفحة 484