كتاب تفسير ابن كثير ط العلمية (اسم الجزء: 3)

الْخَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدا، فقال: اقْنَعُوا بِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَسْأَلُوا الْمَائِدَةَ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِنَّهَا إِنْ نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ كَانَتْ آيَةً مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنَّمَا هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ آيَةً فَابْتُلُوا بِهَا حَتَّى كَانَ بَوَارُهُمْ فِيهَا، فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِهَا، فَلِذَلِكَ قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا الْآيَةَ، فِلْمًا رَأَى عِيسَى أَنْ قَدْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِهَا، قَامَ فَأَلْقَى عَنْهُ الصُّوفَ، وَلَبِسَ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ، وَجُبَّةً مِنْ شَعْرٍ، وَعَبَاءَةً مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ، وَدَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَامَ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتَّى اسْتَوَيَا، فَأَلْصَقَ الْكَعْبَ بِالْكَعْبِ وَحَاذَى الْأَصَابِعَ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَوْقَ صَدْرِهِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، فَمَا زَالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ وَتَقْطُرُ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ حَتَّى ابْتَلَّتِ الْأَرْضُ حِيَالَ وَجْهِهِ مِنْ خُشُوعِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَعَا اللَّهَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْرَاءَ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ: غَمَامَةٌ فَوْقَهَا، وَغَمَامَةٌ تَحْتَهَا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ مُنْقَضَّةً مِنْ فَلَكِ السَّمَاءِ تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفا من أجل الشروط التي أخذها اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا، أَنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ يَكْفُرُ بِهَا مِنْهُمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أحدا من العالمين، وهو يدعو الله في مكانه ويقول: اللهم اجعلها رحمة لهم، ولا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، إِلَهِي كَمْ مِنْ عَجِيبَةٍ سَأَلْتُكَ فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شاكرين، اللهم إني أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبا ورجزا، إِلَهِي اجْعَلْهَا سَلَامَةً وَعَافِيَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا فِتْنَةً وَمُثْلَةً. فَمَا زَالَ يَدْعُو حَتَّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى وَالْحَوَارِيِّينَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ يَجِدُونَ رَائِحَةً طَيِّبَةً لَمْ يَجِدُوا فِيمَا مَضَى رَائِحَةً مِثْلَهَا قَطُّ، وَخَرَّ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا شكرا له لما رَزَقَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَأَرَاهُمْ فِيهِ آيَةً عَظِيمَةً ذَاتَ عَجَبٍ وَعِبْرَةٍ، وَأَقْبَلَتِ الْيَهُودُ يَنْظُرُونَ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَجِيبًا أَوْرَثَهُمْ كَمَدًا وَغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ، وَأَقْبَلَ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإِذَا عَلَيْهَا منديل مغطى فقال عِيسَى: مَنْ أَجْرَؤُنَا عَلَى كَشْفِ الْمِنْدِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وَأَوْثَقُنَا بِنَفْسِهِ وَأَحْسَنُنَا بَلَاءً عِنْدَ رَبِّهِ. فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى نَرَاهَا، وَنَحْمَدَ رَبَّنَا، وَنُذَكِّرَ بِاسْمِهِ، وَنَأْكُلَ مِنْ رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنَا؟ فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، أَنْتَ أَوْلَانَا بِذَلِكَ، وَأَحَقُّنَا بِالْكَشْفِ عَنْهَا، فَقَامَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلَّاهُ، فَصَلَّى كَذَلِكَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ بَكَى بُكَاءً طَوِيلًا، وَدَعَا اللَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْكَشْفِ عَنْهَا، وَيَجْعَلَ لَهُ وَلِقَوْمِهِ فيها بركة ورزقا، ثم انصرف وجلس إلى السفرة وتناول المنديل، وقال: بسم اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ، وَكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، فَإِذَا هو عليها بسمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، ليس فِي جَوْفِهَا شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنْهَا سَيْلًا، قد نضّد بها بُقُولٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الْكُرَّاثِ، وَعِنْدَ رَأْسِهَا خَلٌّ، وَعِنْدَ ذَنَبِهَا مِلْحٌ، وَحَوْلَ الْبُقُولِ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ، عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا زَيْتُونٌ، وَعَلَى الآخر تمرات، وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسُ رُمَّانَاتٍ، فَقَالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى: يَا رُوحَ اللَّهِ

الصفحة 205

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text