كتاب تفسير ابن كثير ط العلمية (اسم الجزء: 3)

فَأَمَرَ لَنَا بِمَنْزِلٍ حَسَنٍ وَنُزُلٍ كَثِيرٍ فَأَقَمْنَا ثَلَاثًا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا لَيْلًا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَاسْتَعَادَ قَوْلَنَا فَأَعَدْنَاهُ.
ثُمَّ دَعَا بِشَيْءٍ كَهَيْئَةِ الرَّبْعَةِ «1» الْعَظِيمَةِ مُذْهَبَةٍ فِيهَا بُيُوتٌ صِغَارٌ عَلَيْهَا أَبْوَابٌ فَفَتَحَ بَيْتًا وَقُفْلًا فَاسْتَخْرَجَ «حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ حَمْرَاءُ، وَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ ضَخْمُ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمُ الْأَلْيَتَيْنِ لَمْ أَرَ مِثْلَ طُولِ عُنُقِهِ، وَإِذَا لَيْسَتْ لَهُ لِحْيَةٌ وَإِذَا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله فقال:
أَتَعْرِفُونَ هَذَا، قُلْنَا لَا قَالَ: هَذَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِذَا هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ شَعْرًا، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ وَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ وَإِذَا لَهُ شَعْرٌ كَشَعْرِ الْقِطَطِ أَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ ضَخْمُ الْهَامَةِ حَسَنُ اللِّحْيَةِ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا لَا، قَالَ: هَذَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ وَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ شَدِيدُ الْبَيَاضِ حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ صَلْتُ الْجَبِينِ «2» طَوِيلُ الْخَدِّ أَبْيَضُ اللِّحْيَةِ كَأَنَّهُ يَبْتَسِمُ فَقَالَ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَإِذَا فِيهِ صُورَةٌ بَيْضَاءُ وَإِذَا وَاللَّهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعرفون هذا؟ قلنا نعم هذا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَبَكَيْنَا قَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَامَ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ وَقَالَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَهُوَ قُلْنَا نَعَمْ إِنَّهُ لَهُوَ كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ فَأَمْسَكَ سَاعَةً يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْبُيُوتِ وَلَكِنِّي عَجَّلْتُهُ لَكُمْ لِأَنْظُرَ مَا عِنْدَكُمْ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ أَدْمَاءُ سَحْمَاءُ وَإِذَا رَجُلٌ جَعْدٌ قَطَطٌ غَائِرُ العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان متقلص الشَّفَةِ كَأَنَّهُ غَضْبَانُ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا لَا، قَالَ: هَذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وإلى جنبه صُورَةٌ تُشْبِهُهُ إِلَّا أَنَّهُ مُدْهَانُّ الرَّأْسِ عَرِيضُ الجبين في عينيه نبل فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا لَا قَالَ: هَذَا هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلِ آدَمَ سَبْطٍ رَبْعَةٍ كَأَنَّهُ غَضْبَانُ فَقَالَ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا لَا، قَالَ: هَذَا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمزة أَقْنَى خَفِيفُ الْعَارِضِينَ حَسَنُ الْوَجْهِ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا لَا، قَالَ: هَذَا إِسْحَاقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ منه حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ تُشْبِهُ إِسْحَاقَ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى شَفَتِهِ خَالٌ فَقَالَ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا لَا، قَالَ: هَذَا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَبْيَضَ حَسَنِ الْوَجْهِ أَقْنَى الْأَنْفِ حَسَنِ الْقَامَةِ يَعْلُو وَجْهَهُ نُورٌ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْخُشُوعُ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم صلّى الله عليه وسلم، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بيضاء فإذا فيها صورة كصورة آدم كَأَنَّ وَجْهَهَ الشَّمْسُ فَقَالَ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قلنا لا، قال: هذا يوسف
__________
(1) الرّبعة: إناء مربع.
(2) صلت الجبين: أي واسعة، وقيل: الصلت: البارز، وقيل: الأملس.

الصفحة 436

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text