كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 3)
فلما بلحوا علي -وهو بالحاء المهملة، أي تمنعوا من الإجابة- جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد -أي خصلة خير وصلاح- اقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته.
فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى
__________
أي دعوتهم إلى نصركم، "فلما بلحوا علي وهو" بالموحدة وشد اللام المفتوحتين، و"بالمهملة" المضمومة "أي امتنعوا من الإجابة" قال الحافظ والتبلح التمنع من الإجابة وبلح الغريم إذا امتنع من أداء ما عليه "جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني، قالوا: بلى".
"قال فإن هذا" -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- "قد عرض عليكم" وللكشميهني: لكم "خطة" بضم الخاء المعجمة وشد المهملة "رشد" بضم الراء وسكون المعجمة وبفتحهما، "أي خصلة خير وصلاح" وإنصاف "اقبلوها" وبين ابن إسحاق أن سبب تقديمه لهذا الكلام ما رآه من ردهم العنيف على من يجيء من عند المصطفى، ووقع عنده تقديم مجيء مكرز ثم الحليس على عروة، ولا ريب أن ما في الصحيح أصح "ودعوني" اتركوني "آته" بالمد مجزوم على جواب الأمر، وأصله آتيه أي أجيء إليه، هكذا اقتصر عليه الفتح، وعزاه المصنف لأبي ذر، وصدر بأنه آتيه بالياء على الاستئناف. "قالوا: ائته" قال الحافظ: بألف وصل بعدها همزة ساكنة ثم مثناة مكسورة، ثم هاء ويجوز كسرها.
زاد المصنف أمر من أتى يأتي "فأتاه أي: فأتى عروة النبي صلى الله عليه وسلم هكذا هو ثابت في البخاري، وسقط في كثير من نسخ المصنف، فاحتاج شيخنا لتقديرها، "فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم" بنحو ما قال: بديل، "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل" السابق.
زاد ابن إسحاق وأخبره أنه لم يأت يريد حربا، "فقال عروة عند ذلك" قال الحافظ: أي عند قوله لأقاتلنهم، "أي: محمد أرأيت" أي: أخبرني "إن استأصلت أمر قومك" أي أهلكتهم بالكلية، "هل سمعت بأحد من العرب اجتاح" بجيم، ثم حاء مهملة أي أهلك "أهله قبلك" حتى يكون سلفك، فلا تلام أولا فتلام لإحداثك ما لم يسبقك إليه أحد من العرب، "وإن تكن الأخرى" قال الحافظ حذف الجزاء تأدبا معه صلى الله عليه وسلم والمعنى وإن تكن الغلبة لقريش فلا آمنهم عليك مثلا وقوله: فإني ... إلخ، كالتعليل هذا المقدر المحذوف، والحاصل أنه ردد الأمر بين شيئين غير مستحسنين، وهو هلاك قومه إن غَلب وذهاب أصحابه إن غُلب، لكن كل منهما مستحسن شرعا، كما قال