كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 3)

أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، لا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كان صلى الله عليه وسلم يغضي لعروة استمالة وتأليفا. والمغيرة يمنعه إجلالا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما. انتهى.
قال: فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم
__________
الفتح وغيره "أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، ولا سيما عند الملاطفة".
قال البرهان: يريدون بذلك التحية والتواصل، وأكثرهم فعلا لذلك أهل اليمن، وحكي ذلك عن بعض العجم أيضا، "وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير" فربما رأى عروة لعظمته في قومه أنه نظير للمصطفى وما علم حينئذ أنه لا نظير له فاللائق منعه، "لكن كان صلى الله عليه وسلم يغضي" بغين وضاد معجمتين يتغافل ويسكت "لعروة" فلا يؤاخذه بفعله، ولا يمنعه "استمالة وتأليفا" له ولقومه، "والمغيرة يمنعه إجلالا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما" لعلمه بأن الله تعالى لم يخلق له نظيرا. "انتهى".
ما فصل به بين أجزاء الحديث من حكمة تناول اللحية ومنع المغيرة له، "قال فرفع عروة رأسه فقال: "من هذا؟ " وفي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير، فلما أكثر المغيرة مما يقرع يده غضب، وقال: ليت شعري من هذا الذي آذاني من بين أصحابك، والله لا أحسب فيكم ألأم منه، ولا أشر منزلة "قال" كذا لأبي ذر، ولغيره قالوا: "المغيرة" وفي رواية ابن إسحاق فتبسم صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أخيك "بن شعبة" وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، وابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسناد صحيح "فقال: أي غدر" بالمعجمة بوزن عمر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر، أي ترك الوفاء "ألست أسعى في" دفع شر "غدرتك" بفتح الغين أي جنايتك ببذل المال، وفي مغازي عروة: والله ما غسلت يدي من غدرتك ولقد أورثتنا العداوة في ثقيف، وفي رواية ابن إسحاق: وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس.
"وكان المغيرة" قبل إسلامه "صحب قوما في الجاهلية" ثلاثة عشرة من ثقيف من بني مالك لما خرجوا للمقوقس بمصر بهدايا، فأحسن إليهم وأعطاهم وقصر بالمغيرة، لأنه ليس من القوم، بل من أحلافهم فغار منهم، ولم يواسه أحد منهم فلما كانوا ببعض الطريق شربوا الخمر وناموا فوثب المغيرة "فقتلهم" كلهم، "وأخذ أموالهم ثم جاء" إلى المدينة "فأسلم" فقال أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم وجئت بأسلابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

الصفحة 191