كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 3)

قال في فتح الباري: فيه إشارة إلى الرد ما خشيه من فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال: من نحبه هذه المحبة ونعظمه هذا التعظيم كيف يظن أنه نفر عنه ونسلمه لعدوه، بل هم أشد اغتباطا به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم والله أعلم. انتهى.
قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم
__________
"قال في فتح الباري: فيه" أي فعل الصحابة ما ذكر وليس الضمير للقول المذكور ويتعسف توجيهه بأنه قال: لأرى وجوها ... إلخ، بحسب ظنه على ما جرت به عادة الأخلاط، فتبين له خطؤه بفعل الصحابة فإن لفظ الفتح، ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة، وبالغوا في ذلك "إشارة إلى الرد على ما خشيه من فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال من نحبه هذه المحبة، ونعظمه هذا التعظيم كيف يظن به أن نفر عنه ونسلمه" بضم أوله وسكون السين "لعدوه" من أسلمه إذا خذله.
فالمعنى من كانت هذه صفته كيف يترك نصره ويخلى بينه وبين عدوه، "بل هم أشد اغتباطا" بمعجمة، أي تعلقا وتمسكا "به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم" بقية كلام الفتح، فيستفاد منه جواز التوصل إلى المقصود بكل طريق سائغ "والله أعلم. انتهى".
"قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت" بفتح الفاء قدمت "على الملوك، ووفت على قيصر" غير منصرف للعجمة لقب لكل من ملك الروم "وكسرى" بكسر الكاف، وتفتح لكل من ملك الفرس "والنجاشي" بفتح النون وتكسر، وخفة الجيم وأخطأ من شددها، فألف فشين معجمة، فتحتية مشددة ومخففة لقب لمن ملك الحبشة، وهذا من عطف الخاص على العام، وخص الثلاثة بالذكر لأنهم أعظم ملوك ذلك الزمان، "والله إن" بكسر الهمزة وسكون النون نافية، أي ما "رأيت ملكا قط تعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن" بكسر فسكون أيضا, أي: ما "يتنخم" مصارع رواية أبي ذر ولغيره تنخم بلفظ الماضي "نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم" عليه الصلاة والسلام، ولأبي ذر تكلموا، أي

الصفحة 193