كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 3)

النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مكرز، وهو رجل فاجر". فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم.
فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو
__________
النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مكرز وهو رجل فاجر" بالفاء والجيم. وفي رواية ابن إسحاق: "غادر".
قال الحافظ: وهو أرجح، وما زلت متعجبا من وصفه بالفجور مع أنه لم يقع منه في قصة الحديبية فجور ظاهر، بل فيها ما يشعر بخلاف ذلك، كما سيأتي من كلامه في قصة أبي جندل، إلى أن رأيت في مغازي الواقدي في غزوة بدر أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: كيف نخرج من مكة وبنو كنانة خلفنا لا نأمنهم على ذرارينا، وذلك أن حفص بن الأخيف كان له ولد وضيء، فقتله رجل من بني بكر بن كنانة بدم لهم كان في قريش فتكلمت قريش في ذلك، ثم اصطلحوا فعدا مكرز بعد ذلك على عامر بن يزيد سيد بني بكر غرة، فقتله فنفرت من ذلك كنانة، فجاءت وقعة بدر أثناء ذلك، فكان مكرز معروفا بالغدر.
وذكر الواقدي أيضا أنه أراد أن يثبت المسلمين بالحديبية فخرج في خمسين رجلا فأخذهم محمد بن مسلمة، وهو على الحرس وانفلت مكرز، فكأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك. انتهى، وبه تعلم أنه لا وجه لقول الشارح: إن قوله: وهو رجل غادر بوحي؛ لأنه لو كان ناشئا عن خبر لذكروه. انتهى.
فهذا خبره "فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم" زاد ابن إسحاق: فقال له صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه، "فبينما" بالميم "هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو" القرشي، العامري خطيب قريش سكن مكة، ثم المدينة أسلم في الفتح قال الإمام الشافعي: كان محمود الإسلام من حين أسلم.
روى البخاري في تاريخه، والباوردي عن الحسن قال: كان من الطلقاء فنظر بعضهم إلى بعض فقال سهيل: على أنفسكم فاغضبوا دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم فكيف بكم إذا دعيتم إلى أبواب الجنة، ثم خرج إلى الجهاد.
وروى ابن شاهين عن ثابت البناني قال: قال سهيل والله لا أدع موقفا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها، لعل أمري أن يتلو بعضه بعضا مات بالشام بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة عند الأكثر, ويقال: قتل باليرموك، ويقال: بمرج الصفراء وقضية هذا الحديث الصحيح أنه جاء قبل انصراف مكرز من عند المصطفى، وفي رواية ابن إسحاق: أن مكرزا رجع إلى قريش فأخبرهم بقوله صلى الله عليه وسلم وأن ذهاب الحليس، ثم عروة بعد مكرز فيجمع بأنه رجع فأخبرهم، ثم جاء مع سهيل في الصلح هو وحويطب كما رواه الواقدي، وابن عائذ، فكان مكرز سبق سهيلا في المجيء فكلم المصطفى فجاء سهيل.

الصفحة 196