كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 3)
.................................
__________
من نكاحها، وأصدقتها مائتي درهم، فلم أجد شيئا أسوقه إليها، فقلت على الله ورسوله المعول، فجئت رسول الله، فأخبرته، فقال: كم سقت إليها، فقلت: مائتي درهم، فقال: "سبحان الله لو كنتم تغترفون من ناحية بطحان ما زدتم". فقلت: يا رسول الله! أعني على صداقها. فقال: "ما وافقت عندنا ما أعينك به، ولكن قد أجمعت أن أبعث أبا قتادة في أربعة عشر رجلا في سرية، فهل لك في أن تخرج فيها؟ فإني أرجو أن يغنمك الله مهر زوجتك". فقلت: نعم، فخرجنا حتى جئنا الحاضر، فذكر القصة، وأن أبا قتادة ألف بين كل رجلين، وقاتل رجالا من القوم.
فإذا فيهم رجل من طويل أقبل على ابن حدرد، وقال: يا مسلم هلم إلى الجنة يتهكم به، قال: فملت عليه، فقتلته وأخذت سيفه، فلما أصبحنا رأيت في السبي امرأة كأنها ظبي، تكثر الالتفات خلفها وتبكي، فقلت: أي شيء تنظرين، قالت: أنظر والله إلى رجل إن كان حيا استنقذنا منكم، فقلت: لها، قد قتلته وهذا سيفه معلق بالقتب، قالت: فألق إليّ غمده، فلما رأته بكت ولبثت، ولا يخفى أن سياق كل من القصتين يبعد أو يمنع كونهما واحدة والله تعالى أعلم.
"باب غزوة الفتح الأعظم":
ثم فتح مكة زادها الله شرفا. وهو كما قال في زاد المعاد: "الفتح الأعظم، الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين.
__________
باب غزوة الفتح الأعظم:
"ثم فتح مكة زادها الله شرفا", يحتمل أنه دعاء من المصنف، وأنه إخبار بأن الفتح النبوي زادها الله به شرفا على شرفها السابق، "وهو كما قال" العلامة ابن القيم، "في زاد المعاد" في هدي خير العباد: "الفتح الأعظم" من بقية الفتوحات قبله، كخيبر وفدك والحديبية، وعد فتحا لأمور تقدمت منها أن مقدمة الظهور ظهور، وهو قد كان مقدمة لهذا الفتح الأعظم، "الذي أعز الله به دينه", قواه وأظهره على جميع الأديان، إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون، "ورسوله وجنده" أنصاره المسلمون الذين بذلوا نفوسهم في نصرة دينه، وجعلوا أنصارا وجندا، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} لإخلاصهم في إعلاء كلمة الله وإظهار دينه، "وحرمه الأمين" الآمن فيه من دخله، "واستنقذ" خلص "به بلده وبيته"، والإضافة للتشريف ولتمييزه لهما على غيرهما من البقاع، "الذي جعله الله هدى للعالمين" هاديا لهم لأنه قبلتهم ومتعبدهم، كما قال تعالى: {مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} "من أيدي الكفار والمشركين" عبدة الأوثان، فهو عطف أخص على أعم، بعد