كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 3)
قال: وأما قول النووي: واحتج الشافعي بالأحاديث المشهورة أن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه، إن كان مراده ما وقع من قوله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". كما تقدم وكذا: "من دخل المسجد". كما عند ابن إسحاق, فإن ذلك لا يسمى صلحا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكف عن القتال.
__________
بما زعمه خلاف مدلوله بل يأباه الحديث، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "ماذا تقولون, ماذا تظنون ". قالوا: نقول خيرا ونظن خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال صلى الله عليه وسلم: "فإني أقول كما قال أخي يوسف: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} اذهبوا، فأنتم الطلقاء".
رواه البخاري، وأحمد وغيرهما، يدل على العنوة إذ لو كان ثم صلح ما كان لقوله ذلك لهم معنى ولا لقولهم له: قد قدرت؛ لأنه لو وقع ذلك لم يكن عندهم خوف أصلا، وقد قال في الحديث بعد قوله: "فأنتم الطلقاء". فخرجوا كأنما نشروا من لقبور فدخلوا في الإسلام.
"قال" في فتح الباري عقب ما قدمت أن المصنف أسقطه من كلامه.
"وأما قول النووي: واحتج الشافعي، بالأحاديث المشهورة، أن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة، ففيه نظر لأن الذي أشار له إن كان مراده ما وقع من قوله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". "كما تقدم" والأمان في معنى الصلح "وكذا": "من دخل المسجد فهو آمن". "كما عند ابن إسحاق فإن ذلك لا يسمى صلحا إلا إذا التزم من أشير به بذلك الكف عن القتال".
"والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشا لم يلتزموا ذلك لأنهم استعدوا للحرب" أجاب سميه بأن أكابرهم كفوا عن القتال، ولم يقع إلا من أخلاطهم في غير الجهة التي دخل منها صلى الله عليه وسلم ولا عبرة بها ولا بمن بها لأنهم كانوا أخلاطا لا يعبأ بهم، كما أطبق عليه أئمة السير، كذا قال. وليت شعري من أئمة السير الذين زعمهم وأئمتهم ابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، وغيرهم يقولون: إن صفوان بن أمية, وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو دعوا إلى قتاله صلى الله عليه وسلم وجمعوا ناسا من قريش وغيرهم بالخندمة، وقاتلوا حتى هزمم الله أفما هؤلاء من أكابر قريش؟ أما سهيل كان صاحب الهدنة يوم الحديبية، ألم يأب من كتب البسملة ورسول الله ألم يمتنع من إجازة ابنه المسلم للمصطفى مع قوله: "أجزه لي". غير مرة.
أما عكرمة وصفوان من أجلاء يوم أحد والأحزاب، وقتال جيشه صلى الله عليه وسلم، وأن في غير الجهة التي دخل منها هو قتال له، ألم تر أن سبب الفتح هو نقضهم عهد الحديبية بقتال حلفائه خزاعة، وإنما دخل عليه من قوله: "انظروا إلى أوباش قريش وأتباعهم"، فظن أنه لم يكن فيهم أحد