عطشت ، ولا ظمأت بعد تلك الشربة .
رواه الحاكم ( 1 ) في مستدركه وزاد فيه بعد تلك الشربة سمعتهم يقولون : أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمنحوه بمذقة فأتوني بمذقة ، فقلت : لا حاجة لي فيها إن الله أطعمني وسقاني ، وأريتهم بطني فأسلموا ، عن آخرهم ، فكان أحدهم في الجاهلية إذا جاع أخذ شيئاً محدوداً من عظم ونحوه ، فيقصد به بعيره أو حيواناً من أي صنف كان ، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه ، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة .
وقوله : ( ^ ولحم الخنزير ) يعني إنسيّه ووحشيه ، واللحم جميع أجزائه حتى الشحم ، ولا تحتاج إلى محذلق الظاهرية في جمودهم ههنا ، تعسفهم في الاحتجاج بقوله : ( ^ فإنه رجس ) يعنون قوله تعالى : ( ^ قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس ) .
أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه ، وهذا بعيد من حيث اللغة . فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه ، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب ، ومن العرف المطرد .
ففي صحيح مسلم ( 2 ) من حديث يزيد بن الحصيب الأسلمي قال : قال رسول الله : ' من لعب بالنردشير فكأنا صبغ يده في لحم خنزير ودمه ' .
فإذا كان تنفيراً لمجرد ملامسته بالمس ، فكيف يكون التهديد ، والوعيد الأكيد على أكله ، والتغذي به ؟ وفيه دلالة على شمول جميع الأجزاء من الشحم وغيره .
وفي الصحيحين ( 3 ) أن رسول الله قال : ' إن الله حرم بيع الميتة ، والخمر ، والخنزير ، والأصنام ' . فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة ؛ فإنه نطلي بها السفن ، وندهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس فقال : ' لا ، هو حرام ' .
وفي صحيح البخاري ( 4 ) أن ابا سفيان قال لهرقل ملك الروم : نهانا عن الميتة والدم .
وقوله ( ^ وما أهل لغير الله به ) أي ما ذبح وذكر غير اسم الله عليه ، فهو حرام ؛ لأن الله أوجب أن يذبح مخلوقاته على اسمه العظيم ، فمتى عدل بها عن ذلك ، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن ، أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنه حرام بالإجماع .
وإنما اختلف العلماء في المتروك من التسمية عليه إما عمداً أو نسياناً ، كما تقدم ، وسيأتي ما لم يذكر منه .
وروى ابن أبي حاتم ( 1 ) بسنده عن أبي الطفيل قال : لم يزل أربع : الميتة والدم ، ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به محرماً منذ خلق الله السموات والأرض وإن هذه الأربعة لم تحل قط ، ولم تزل حراماً على جميع الأنبياء ، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم ، فلما بعث الله عيسى ابن مريم نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم عليه السلام ، وأحل لهم ما سوى ذلك ، فكذبوه ، وعصوه .
هذا الأثر فيه غرابة ، وروى أبو حاتم ( 2 ) عن ربعي بن عبد الله قال : سمعت الجارود بن أبي سبرة يقول : كان رجل من بني رباح يقال له : ابن وثيل وكان شاعراً فراهن أبا الفرزدق على أن يعقر هذا مائة من الأبل ، وهذا مائة من إبله ، إذا وردت الماء ، فلما وردت الماء فأتيا بسيوفهما فجعلا يكشفان عراقيبها ، فخرج الناس على الحمرات يريدون اللحم ، فبلغ ذلك علي عليه السلام فخرج عليهم ينادي : يا أيها الناس لا تأكلوا من لحمها ؛ فإنها أهلت بها لغير الله .
هذا ايضاً غريب لكن يشهد له بالصحة ما رواه أبو داود ( 3 ) عن ابن عباس قال : نهى رسول الله عن معاقرة الأعراب .
وفي رواية لأبي داود ( 4 ) : نهى رسول الله عن طعام المتباريين أن يؤكل .
وقوله : ( ^ والمنخنقة ) وهي التي تموت بالخنق ، إما قصداً أو اتفاقاً بأن تتحبل في وثاقها فتموت بشيء ، فهي حرام .
____________________