كتاب تنقيح التحقيق - العلمية (اسم الجزء: 3)


وأما الأطعمة فأهل الكوفة أشد فيها من أهل المدينة ؛ فإنهم مع تحريم كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير حتى يحرمون الضب ، والضبع ، والخيل محرم عندهم في أحد القولين .
ومالك رحمه الله يحرم تحريماً جازماً - كما تقدم - فذوات الأنياب إما أن يحرمها تحريماً دون ذلك وإما أن يكرهها في المشهور عنه .
وروي عنه كراهية ذوات المخالب ، والطير لا يحرم منها شيئاً ، ولا يكرهه ، وإن كان التحريم على مراتب .
والخيل كرهها ، ورويت الإباحة ، والتحريم عنه أيضاً - كما تقدم .
ومن تدبر الأحاديث الصحيحة في هذا الباب علم أن أهل المدينة أتبع للسنة ؛ فإن باب الأشربة قد ثبت فيه عن النبي من الأحاديث التي يعلم من علمها أنها من أبلغ المتواترات ، بل قد صح عنه في النهي عن الخليطين في الأوعية مالا يخفى عن عالم بالسنة .
وأما الأطعمة ، فإنه وإن قيل : إن مالكاً خالف أحاديث صحيحة في التحريم ، ففي ذلك خلاف ، والأحاديث التي خالفها من تحريم الضب ، وغيره تقاوم ذلك ، ومالك رحمه الله - معه في ذلك آثار عن السلف ومبيح الأشربة ليس معه لا نص ، و لا قياس ، بل قوله مخالف للنص والقياس .
وأيضاً فتحريم جنس الخمر أشد من تحريم الحشيشة لكن يجب اجتنابهما مطلقاً ، ويجب على من أكلها الحد ، والمقصود أن مالكاً جوز إتلاف عينها اتباعاً لما جاء من السنة في ذلك ، ومنع من تخليلها ، وهذا كله فيه من اتباع السنة ما ليس في قول من خالفه من أهل الكوفة وغيرهم .
فلما كان تحريم الشارع للأشربة المسكرة أشد تحريماً للأطعمة كان القول الذي يتضمن موافقة الشرع أصح .
ثم إن من أعظم المسائل مسألة اختلاط الحلال بالحرام ، كاختلاط النجاسات بالماء ، وسائر المائعات فأهل الكوفة يحرمون كل ماء ، أو مائع وقعت فيه نجاسة قليلاً كان أو كثيراً ، ثم يقدرونه بما لا تصل إليه النجاسة ، بما لا يصل إليه الحركة ، ويقدرونه بعشرة أذرع في عشرة أذرع .
____________________

الصفحة 417