كتاب تنقيح التحقيق - العلمية (اسم الجزء: 3)

فصل
وأما النوع الثاني : من المحرمات ، وهو المحرم لكسبه ، كالمأخوذ ظلماً بأنواع الغصب من السرقة والخيانة ، والقهر ، كالمأخوذ بالربا ، والميسر ، وكالمأخوذ عوضاً عن عين ارتفع محرماً ، كثمن الخمر ، والدم والخنزير ، والأصنام ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن وأمثال ذلك .
فمذهب أهل الحديث في ذلك من أعدل المذاهب ، كما ذهب إليه أهل المدينة المدين مالك ، ومن وافقه من أن تحريم الظلم ، وما يستلزم الظلم أشد من تحريم النوع الأول ؛ فإن الله حرم الخبائث من المطاعم إذ هي تغذى تغذية خبيثة ، توجب للإنسان الظلم ، كما إذا اغتذى من الخنزير ، والدم ، والسباع ، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي فيصير في نفسه من البغي والعدوان بحسب ما اغتذى به .
وأما إباحتها للمضطر ؛ لأن مصلحة بقاء النفس مقدم على دفع هذه المقدمة ، مع أن ذلك عارض ، ولا يؤثر مع الحاجة الشديدة أثر يضر .
وأما الظلم فمحرم قليله ، وكثيره ، وحرمه تعالى على نفسه كما جاء في الحديث العظيم الإلهي ، أنه قال تعالى : ( ^ إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرماً ، فلا تظالموا . . ) الحديث بطوله ( 1 ) .
وكذلك حرم الربا ؛ لأن متضمن للظلم ، فإنه أخذ فضل لا مقابل له ، وتحريم الربا اشد من تحريم الميسر الذي هو القمار ؛ لأن المربي اخذ مالاً محققاً من محتاج ، وأما المقامر فقد يحصل له فضل ، وقد لا يحصل له ، وقد يقمر هذا هذا وقد يكون بالعكس .
وقد نهى النبي عن بيع الغرر ، وعن بيع الملامسة ، والمنابذة ، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، وبيع حبل الحبلة ، ونحو ذلك مما فيه نوع مقامرة ، وأرخص في ذلك مما تدعو إليه الحاجة ، ويدخل تبعاً لغيره كما أرخص في ابتياعها بعد بدو صلاحها ، مباقاة إلى كمال الصلاح ، وإن كان بعض أجزائها لم تخلص .
____________________

الصفحة 421