كتاب تنقيح التحقيق - العلمية (اسم الجزء: 3)


وأيضأ فقد ثبت في الصحيح ( 1 ) عن ابن عمر أنه قال : كنا نتبايع الطعام جِزافاً على عهد رسول الله فنهى أن نبيعه في مكانه حتى ننقله إلى رحالنا .
وابن عمر هو القائل : مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً فهو من ضمان المشتري ، فتبين أن مثل هذا الطعام مضمون على المشتري ، ولا يبيعه حتى ينقله وغلة الثمار والمنافع له أن يتصرف فيها ، ولو تلفت قبل التمكن من قبضها ، والمنافع لا يمكن التصرف فيها بعد استيفائها .
فكذلك الثمار لا تباع على الأشجار بعد الجذاذ ، بخلاف الطعام المنقول ، والسنة في هذا الباب فرقت بين القادر في الضمان ، والتصرف ، ونظائر هذا الشيء مثل بيع الأعيان الغائبة ، من الفقهاء من جوّز بيعها مطلقاً ، وإن لم توصف ، ومنهم من منع بيعها مع الوصف .
فمالك جوّز بيعها مع الصفة دون غيرها وهو أعدل الأقوال .
وأما العقود فمن الناس من أوجب فيها الألفاظ وتعاقب القبول ، والإيجاب ، ونحو ذلك .
وأهل الحديث جعلوا المرجع في العقود إلى عرف الناس وعادتهم فيما عده الناس بيعاً فهو بيع ، وما عده إجارة فهو إجارة ، فإن الأسماء ليس لها حد في اللغة كالشمس والقمر ، ومنها ما له حد لا في الشرع كالصلاة ، والحج ، ومنها ما ليس له حد في اللغة ، ولا في الشرع ، بل يرجع إلى العرف ، ومعلوم أن اسم البيع ، والإجارة ، والهبة في هذا الباب لم يحده الشارع ، ولا له حد في اللغة ، بل يتنوع ذلك بحسب عادات الناس ، وعرفهم .
ومن هذا الباب أن مالكاً يجوز بيع المغيب في الأرض كالجزر ، واللفت ، وبيع المقائي حمله ، كما جوز جوز هو والجمهور بيع الباقلاء ، ونحوه في قشرة ولا ريب أن هذا هو الذي عليه عمل المسلمين من زمن نبيهم إلى هذا التاريخ ، ولا تقوم مصلحة الناس بدون هذا ، وما نظن أن في هذا النوع غرور فهل هذا جائز في غيره من البيوع لأن الحاجة داعية إليه ، وكل واحد من هذين يبيح ذلك ، فكيف إذا اجتمعا ؟ .
____________________

الصفحة 424