فالأصل عدم التحريم ، سواء في ذلك الأعيان ، والأفعال .
وليس لأحد أن يشرع ديناً واجباً أو مستحباً إلا ما جاءت به الشريعة من الواجبات والمستحبات ، وإلا فلا يجب ، ولا يستحب ما لم يقم دليل شرعي على تحريمه ، واستحبابه .
فإذا عرف هذا فالصراط المستقيم اتباع سنته ؛ فالحلال ما حلله ، والحرام ما حرمه ، والدين ما شرعه ومن سوى الرسول إنما تجب طاعته إذا كانت طاعته طاعة لله ورسوله ، وهو إذا أمر الله به ورسوله ، فأهل الحديث أعظم الناس اعتصاماً بهذا الأصل ، وهم أشد الناس كراهية للبدع وهم أشد اتباعاً للعبادات الشرعية وأبعدهم من العبادات البدعية ونظائر هذا كثيرة منها ؛ أن مالكاً ومن وافقه من أهل الحديث لا يجوزون تغيير صفة العبادات المشروعة ، فلا يفتتحون الصلاة بغير التكبير المشروع وهو قول : الله أكبر ، كما أن هذا التكبير هو المشروع في الأذان والأعياد ، ولا يجوزون أن تفتتح بغيره من أنواع الذكر ، ولا يجوزون أن يقرأ القرآن بغير العربية ، ولا يعدل عن النصوص في الزكاة إلا ما يختار المالك من الأموال بالقيمة وكذلك تقديم الفجر والعصر ، ويجعلون وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثله وهو آخر وقت الظهر ، ويجعلون وقت صلاة العشاء مشتركاً للمعدود ، كالحائض إذا طهرت ، والمجنون إذا أفاق ، ويجوزون الجمع للمسافر الذي جد به السير والمريض في المطر وهم في صلاة السفر معتدلون .
فإن من الفقهاء من يجل الإتمام أفضل من القصر ، أو يجعل القصر أفضل ، لكن لا يكره الإتمام ، بل يرى أنه الأصل ، وأنه لا يقصر إلا أن ينوي القصر ، ومنهم من يجعل الإتمام غير جائز ، وهم يرون أن السنة هي القصر ، فإذا ربع كره له ذلك ، ويجعلون القصر سنة راتبة ، والجمع رخصة عارضة ، ولا ريب أن هذا القول أشبه الأقوال بالسنة ، وكذلك في السنن الراتبة يجعلون الوتر واحدة ، وإن كان قبلها شفع ، وهذا أصح من قول الكوفيين الذين يقولون : لا وتر إلا كالمغرب ، مع أن تجويز كلاهما صحيح ، لكن الفضل أفضل من الوصل ، ولا يرون الجمعة قبلها سنة راتبة ، خلافاً لمن خالفهم ، ومالك لا يوقت مع الفرائض شيئاً ، وبعض العراقيين وقت أشياء بأحاديث ضعيفة ، وأهل السنة يرون الجمع والقصر للحاج بعرفة وبالمزدلفة ، والقصر بمنى ، سواء كانوا من أهل مكة أو غيرهم ، ولا ريب أن هذا هو الذي مضت به سنة رسول الله بلا ريب ، فهذا القول أحد الأقوال في مذهب الشافعي وأحمد ، ومن قال : إنه لا يجوز القصر إلا لمن كان منهم على مسافة القصر
____________________