فقوله مخالف للسنة ، وأضعف منه قول من يقول : لا يجوز الجمع إلا لمن كان على مسافة القصر وقد علم أن للجمع أسباباً غير السفر الطويل ، ولهذا كان قول من يقول : يجوز الجمع في القصير كما يجوز في الطويل ، كمذهب مالك وأحد القولين من مذهب الشافعي وأحمد ، وهو أقوى ممن لا يجوزه ، إلا في الطويل ، وظن من قال بهذه الأقوال من أهل العراق وغيرهم أن النبي صلى بمنى ثم قال : ' يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ' وهذا باطل عن النبي باتفاق أهل الحديث ، وإنما الذي في السنن أنه قال ذلك لما صلى في مكة في غزوة الفتح ، وكذلك نقلوا عن عمر مثل هذا ، ويروى أن الرشيد لما حج أمر أبا يوسف أن يصلي بالناس ، فلما سلم قال : يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ، فقال له بعض المكيين : أتقول لنا هذا ومن عندنا خرجت السنة ، فقال : وهذا من فقهك تتكلم في الصلاة ، لكنت [ إذا ] كلم الناسي والجاهل بتحريم الكلام لا تبطل صلاته عند مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ، وتبطل عند أبي يوسف ، ولكن كان المكي عالماً بالسنة لقال : ليست هذه السنة ، بل قد صلى النبي بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر ركعتين ، وكذلك الصلوات بعرفة ومزدلفة ركعتين ، ولم يأمروا من خالفهم من المكيين بإتمام الصلاة فيها كما هو مذهب أهل المدينة ، ومن ذلك صلاة الكسوف فإنه قد تواترت السنة فيها عن النبي ، فإنه صلاها بركوعين ، واتبع هذه السنة أئمة الحديث من أهل الكوفة حيث منعوا من ذلك كمالك وغيره ، وخفيت هذه السنة على من أنكرها ، وكذلك صلاة الاستسقاء فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلاها وإليه ذهب الأئمة من أهل السنة ، كمالك وغيره ، وخفيت على من أنكرها من أهل العراق ، ومن ذلك تكبيرات العيد الزوائد فإن غالب السنة والآثار يوافق قول أهل السنة ، في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح والثانية خمس ، ومن ذلك أن الصلاة هل تدرك بركعة أو بأقل من ركعة ، فذهب مالك أنها تدرك بركعة ، وهذا هو الذي صح عن النبي حيث قال : ' من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ' . وكذلك قوله في الصحيح : ' من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك ؛ وكذلك العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ' ، ومالك يقول في الجمعة والجماعة : تدرك بركعة ، وذلك إدراك الصلاة وكذلك إدراك الوقت كالحائض إذا طهرت والمجنون إذا أفاق قبل خروج الوقت ، وأبو حنيفة يعلق الإدراك في الجميع بمقدار التكبير ، حتى في الجمعة ، يقول : إذا أدرك منها مقدار تكبيرة فقد أدركها ، والشافعي وأحمد يوافقان مالكاً في الجمعة ، ويختلف قولهما في غيرها ، والأكثرون من أصحابهما يوافقون أبا حنيفة في الباقي ، وقد احتج بعضهم على مالك بقوله في
____________________