كتاب تنقيح التحقيق - العلمية (اسم الجزء: 3)

الراشدين ؛ فإن النبي اعتمر قبل حجة الوداع عمرة الحديبية ، وعمرة القضية ، وكلاهما أحرم فيهما من ذي الحليفة .
واعتمر عام حنين من الجعرانة ، ثم حجة الوداع ، وأحرم فيها من ذي الحليفة ، ولم يحرم من المدينة قط ، ولم يكن رسول الله ليداوم على ترك الأفضل ، وخلفاؤه نهوا عن من أحرم قبل الميقات .
وقد سئل مالك عمن أحرم قبل الميقات فقال أخاف عليه الفتنة ، قال الله تعالى : ( ^ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) فقال السائل : وأي فتنة في ذلك ؟ إنما هي زيادة نسك في طاعة الله تعالى ، فقال مالك : وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك خصصت بفعل لم يفعله رسول الله ؟
وكان يقول رحمه الله : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، وكان يقول : أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد لجدل هذا .
ومذهب أهل المدينة أن من وطئ بعد التعريف قبل التحلل الأول ، فسد حجة ، ومن وطئ بعد التحلل الثاني فعليه عمرة ، وهذا هو المأثور عن الصحابة دون قول من قال : إن الوطء بعد التحلل الأول لا يوجب إحراماً ثانياً .
واتبع مالك في ذلك قول ابن عباس ، وذكره في موطئه ، لكن لم يسمَّ فيه من نقله عن ابن عباس ؛ إذ الراوي له عكرمة لما بلغه عن ابن عمر .
فإن قيل : قد خالف حديث ضباعة بنت الزبير في اشتراطها التحلل إذا حبسها حابس ، وحديث عائشة في تطييب النبي قبل إحرامه ، وقبل طوافه بالبيت ، وحديث ابن عباس في أنه ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة فهو - رحمه الله - اتبع فيها آثاراً عن عمر ، وابنه رضي الله عنهما .
وإن كان الرد في التنازع إلى السنة لكن من لم يبلغه بعض السنة ، واتبع أقوال الصحابة كان أرجح ممن خفي عنه ، ولم يكن له سلف مثل الصحابة ، ومن ذلك حرم المدينة ، فإن الأحاديث قد تواترت عن النبي من غير واحد بإثبات حرمتها ، بل قد صح أنه جعل جزاء من عضد بها شجراً أن يجعل سلبه لآخذه .
ومذهب مالك ، والشافعي وأحمد أنها حرم ، وإن كان لهم في جزاء الصيد نزاع .
ومن خالف ذلك من الكوفيين لم تبلغه هذه السنة ، ولكن بعض أتباعهم أخذ يعارض ذلك بمثل حديث : ' أبا عمير ما فعل النغير ' ، وحديث الوحش وهذه وهذه متواترة .
فحديث : ابا عمير محمول على أن الصيد صيد خارج المدينة ، ثم أدخل المدينة ، وكذلك حديث الوحش - إن صح - وإن قدر أنهما متعارضان كان التحريم أثبت ، لأن أحاديث الحرم رواها أبو هريرة ممن صحبته متأخرة ، ودخول النبي كان من أوائل الهجرة .
وإذا تعارض نصان أحدهما ناقل عن الأصل والآخر منتف بحكم الأصل كان الناقل أولاً ؛ لأنه إذا قدم الناقل لم يلزم تغير الحكم إلا مرة واحدة ، فإذا قدم المنتفي لزم تغير الحكم مرتين مرتين .
فلو قيل : إن حديث : أبا عمير بعد حديث تحريم المدينة لكان حرمه ثم أحله ، وإذا قدر أنه كان قبل ذلك لم يلزم إلا كونه قد حرمه بعد التحليل ، وهذا لا ريب فيه .
ومذهب أهل المدينة أيضاً في بطلان نكاح المحلل كما تقدم ، ونكاح الشغار ، أتبع للسنة ممن لم يبطله من أهل العراق ؛ فإنه قد ثبت عن النبي أنه ' لعن المحلل والمحلل له ' ( 1 ) ولم يعرف عن أحد من الصحابة الرخصة في ذلك .
وذلك أن المقصود في العقود معتبر كما يجعلون الشرط المتقدم كالشرط المتفاوت ، ويجعلون الشرط العرفي كالشرط اللفظي ، ولأجل هذه الأصول أبطلوا نكاح المحلل ، وخلع اليمين الذي هو حيلة لفعل المحلوف عليه ، وأبطلوا الحيل التي يستحل بها الربا ، وأمثال ذلك ، ومن نازعهم في ذلك من الكوفيين ومن وافقهم ألغى النيات في هذه الأعمال ، وجعل القصد الحسن كالقصد السيء ، وسوغ إظهار أعمال لا حقيقة لها ، بل هي نوع من النفاق ، والمكر ، كما قال أيوب السختياني : يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، ولو أتوا الأمر على وجهه كان أهون عليهم .
والبخاري رحمه الله قد أورد في صحيحه كتاباً في الرد على أهل الحيل ، وما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون على من فعل ذلك .
ونكاح الشغار قد ثبت عن النبي النهي عن ذلك ، ولكن من صححه من
____________________

الصفحة 442