أحدهما : أن تعتقد إحدى الطائفتين أن ما فعله هو المشروع دون ما فعله الآخر .
وإذا اعتقدت الطائفتان ذلك صارت كل طائفة تقول : ما نحن عليه هو الذي دون الأخرى ، وهذا من التفرق والإختلاف الذي ذمه الله وعابه ، وسببه جهل أحدهما بمستند الآخر .
الثاني : أن يجعل جواز كل من الأمرين ، لكن يرى أن المحافظة على شعارها هو الأفضل ، ويزهد في الآخر ، وإذا انضم إلى ذلك نوع من الانتساب إلى أحد الطائفتين صار ذلك شعار طائفته ، لا لكونه سنة رسول الله . وهذا مذموم أيضاً .
الصنف الثاني : أن تكون السنة إنما وردت بأحدهما ، لكن خفيت على الطائفة الأخرى فاعتقدت أن السنة إنما جاءت بما هي عليه كتنازعهم في قنوت الفجر ، هو منسوخ ، أو سنة راتبة ، أو هو مشروع عند النوازل خاصة ، وكتنازعهم في وقت الظهر والعصر ، والمغرب ، ووجوب قراءة البسملة ، ومثل ذلك كثير ، فهذا إحدى الطائفتين فيه مصيب ، والأخرى نغفر لها مع الاجتهاد .
وإذا كان النزاع في الاستحباب فقد يصير المفضول أفضل لعارض راجح مثل إظهار القراءة في الجنازة وجهر بعض الصحابة بالاستعاذة ، وجهر بعضهم بالبسملة ، مثل أن يكون فيه إظهار السنة أو حصول الجماعة والألفة كجهر عمر بالاستحباب لتعلم السنة .
وكذلك ابن عباس جهر بالقراءة على الجنازة ، وجهر بعض الصحابة بالاستعاذة ، ومثل موافقة ابن مسعود لعثمان في الصلاة بمنى أربعاً مع أن السنة عنده أن يصلي ركعتين ، وقال : صليت مع رسول الله ركعتين ، ومع أبي بكر ومع عمر ، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان ، ثم إنه صلى معه ، وأتم ، وقال : الخلاف شر .
ومن هذا قول أنس لمن سأله عن السنة في رمي الجمار ، فقال : افعل كما فعل إمامك .
ومتابعة المأموم لإمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد كالقنوت في الفجر ، وتكبير أكثر من أربع في العيدين ، ونحو ذلك هو من هذا الباب .
الصنف الثالث : أن يكون الشرع قد ورد فيه بجواز الأمرين لا على سبيل التخيير ، بل
____________________