فصل
وأما دلالة الشبه فمن وجوه :
أحدها : حديث عائشة المتقدم قوله : ' لا طلاق ، ولا عتاق في إغلاق ' .
وقد اختلف في الإغلاق ، فقال أهل الحجاز : هو الإكراه .
وقال أهل العراق : هو الغضب .
وقالت طائفة : هو جمع الثلاث بكلمة واحدة .
حكى الأقوال الثلاث صاحب كتاب ' مطالع الأنوار ' وكأن الذي فسره بجمع الثلاث أخذه من التغلق ، وهو أن المطلق غلق الطلاق كما يغلق المدين ما عليه وهو من غلق الباب .
الثاني : ما رواه الحاكم في مستدركه ( 1 ) من حديث عمران بن حصين قال : قال رسول الله : ' لانذر في غضب ، وكفارته كفارة يمين ' .
وقال شيخنا ابن تيمية أيضاً : مسألة إذا حلف بالطلاق ، وغير الطلاق أنه لا يدخل دار فلان ، ولا يأكل له ، ولا يطأ زوجته ، ثم حنث بفعل واحدة من هذه الخصال انحلت يمينه ، ولم يحنث بفعل البواقي بالاتفاق ؛ فإن اليمين حل بالحنث فيها مرة ، والحنث لا يتكرر .
والأصل الثاني : أنه لو أبان امرأته إبانة حقيقة بأن يطلقها قبل الدخول ، أو يخالعها ، أو يطلقها بعد الدخول وتنقضي العدة ، ثم عادت إليه قبل فعل المحلوف عليه فهل يكون يمينه باقية ؟ على ثلاثة أقوال للعلماء وهي ثلاثة أقوال للشافعي :
أحدها : أن اليمين باقية ، وهو مذهب أحمد على المشهور من مذهبه .
والثاني : أن اليمين لا يعود حكمها ، وهو اختيار المزني .
والثالث : إن كان قد أبانها بثلاث لم يعد اليمين ، وهذا مذهب أبي حنيفة ، ومالك .
وكذلك عند مالك ، والشافعي ، إذا عادت في الصورة الثانية بعد زوج ، وإصابة .
والأصل الثالث : أنه إذا وجد المحلوف في زمن البينونة ثم عاد النكاح ففي بقاء حكم اليمين قولان للعلماء هما قولان للإمام أحمد .
أحدهما : حكم اليمين باق .
والثاني : أنه لا يعود حكمها ، وهو قول الأكثرين ، والنزاع بينهم مأخذه أنه إذا قال الطلاق يلزمه لا يفعل كذا ، فهل معناه أنه لا يفعله وهي زوجته لكون الحلف بالطلاق لا يكون إلا على أن يفعله في حال النكاح ، والحنث لا يكون إلا في حال النكاح ؟ أو معناه لا يفعله إلا في حال النكاح ، ولا بعد العصمة ، وإن كان إذا فعله في حال العصمة لم يحنث .
فمن قال : لا تعود الصفة بعود النكاح ، بل ينحل لوجود الصفة في حال البينونة بقوله : إنه ينحل بوجود أحد الأفعال المحلوف عليها كما لو وجدت قبل الطلاق ، فإنه في الموضعين عندهم ينحل اليمين وانحلال اليمين بوجود بعض الأفعال كانحلالها بوجودها جميعاً ، إذ حل اليمين لا ينكر ، ولا ينحل مرتين .
وأما من قال : إن اليمين حنث ، أو مندمة ، فيبنيى على عود اليمين في النكاح الثاني .
وبهذا يتبين الجواب عن المسألة ، وهو أنه : من كان من أصله أن هذا الخلع يوجب البينونة وأنه إذا وجدت الصفة في زمن البينونة انحلت اليمين فسواء عنده وجد جميع الأفعال المحلوف عليها أو بعضها .
كما اتفق الأئمة على أنها سواء في انحلال اليمين بوجود ذلك قبل البينونة .
والأصل الرابع : أن المختلعة هل يلحقها الطلاق في العدة كالرجعية ؟ وهل يكون وجود الصفة في عدتها كوجودها في عدة الرجعية ؟
فالجمهور كمالك ، والشافعي ، وأحمد أنه لا يلحقها طلاق .
وعند أبي حنيفة : يلحقها .
الأصل الخامس : أن خلع اليمين وهو الخلع الذي لا يقصد به فراق الزوجة ، بل يقصد به حل اليمين وعود النكاح ، وهو في الفسوخ نظير نكاح المحلل في العقود ، هل هو خلع
____________________