كتاب سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي (اسم الجزء: 3)

وَاجْتمعَ جَمِيع الْجَيْش خمسين ألفا وَعرض شَبَّبَ بن يزِيد جُنُوده بِالْمَدَائِنِ فَكَانُوا ألف رجل فَقَالَ يَا قوم إِن الله كَانَ ينصركم وَأَنْتُم مائَة أَو مِائَتَان فَأنْتم الْيَوْم مئون ثمَّ ركب فَأخذُوا يتخلفون عَنهُ ويتأخرون فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ لم يثبت مَعَه إِلَّا سِتّمائَة فَحمل شبيب فِي مِائَتَيْنِ على مسيرَة النَّاس فَانْهَزَمُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَال وعتاب بن وَرْقَاء جَالس هُوَ وزهرة بن حوية على طنفسة فِي الْقلب فَقَالَ عتاب هَذَا يَوْم كثر فِيهِ الْعدَد وَقل فِيهِ الْغناء يَعْنِي النَّفْع والهفي على خَمْسمِائَة من رجال تَمِيم وتفرق عَن عتاب عَامَّة الْجَيْش وَحمل عَلَيْهِ شبيب فقاتل عتاب سَاعَة وَقتل ووطئت الْخَيل زهرَة بن حوية فَهَلَك فتوجع لَهُ شبيب لما رَآهُ صريعَاً فَقَالَ لَهُ رجل من قومه وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك لتتوجع لرجل من الْكَافرين قَالَ إِنَّك لست أعرف بصلاتهم مني إِنِّي أعرف من قديم أَمرهم مَالا تَعرفُ لَو ثبتوا عَلَيْهِ كَانُوا إِخْوَاننَا ثمَّ قَالَ شبيب لأَصْحَابه ارْفَعُوا عَنْهُم السَّيْف ودعا النَّاس إِلَى طَاعَته وبيعته فَبَايعُوهُ ثمَّ هربوا لَيْلًا وَهَذَا كُله قبل أَن يقدم جَيش الشَّام الَّذِي بَعثه عبد الْملك فَتوجه شبيب نَحْو الْكُوفَة وَقد دَخلهَا عَسْكَر الشَّام فشدوا ظهر الْحجَّاج وانتعش بهم وَاسْتغْنى عَن عَسْكَر الْكُوفَة وَقَالَ يَا أهل الْكُوفَة لَا أعز الله من أَرَادَ بكم الْعِزّ الحقوا بِالْحيرَةِ مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا تقاتلوا مَعنا وحنق علهيم وهذْا مِمَّا يزيدهم فِيهِ بغضاً ثمَّ إِنَّه وَجه الْحَارِث بن مُعَاوِيَة الثَّقَفِيّ فِي ألف فَارس مَعَ الْكَشْف فالتمس شبيب غفلتهم فَالْتَقوا فَحمل شبيب على الْحَارِث فَقتله وَانْهَزَمَ من مَعَه ثمَّ جَاءَ شبيب فنازل الْكُوفَة وَحفظ النَّاس السكَك وَبنى شبيب مَسْجِدا بِطرف السبخة فَخرج إِلَيْهِ أَبُو الْورْد مولى الْحجَّاج فِي عدَّة غلْمَان فقاتل حَتَّى قتل ثمَّ خرج طهْمَان مولى الْحجَّاج أَيْضا فِي طَائِفَة فَقتله شبيب ثمَّ إِن الْحجَّاج خرج من قصر الْكُوفَة فَركب بغلا وَخرج فِي جَيش الشَّام فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ نزل الْحجَّاج وَقعد على كرْسِي ثمَّ نَادَى يَا أهل الشَّام أَنْتُم أهل السّمع وَالطَّاعَة وَالصَّبْر وَالْيَقِين لَا يغلبن بَاطِل هَؤُلَاءِ حقكم غضبوا الْأَبْصَار
وَقَالَ {يجعَلوُنَ أَصاَبِعهُم فِي آذَانهم} الْبَقَرَة 19 وَلم يقل شناترهم فِي صنابرهم وَقَالَ {وَالسِّنَّ بِاَلسِّن} الْمَائِدَة 45 وَلم يقل المبزم بالمبزم وَقَالَ {فَأكَلَهُ الذِّئْب} وسف 17 وَلم يقل أكله الْقُلُوب وَقَالَ {لَا تَأخذْ بِلِحيتَي} طه 94 وَلم يقل بزبي وَإِنِّي سَائِلك يَا ابْن مخرجة عَن ثَلَاث خِصَال فن أَقرَرت بهَا قهرت وَإِن جحدتها كفرت قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ أتعلم أَن فِينَا نَبِي الله الْمُصْطَفى
قَالَ اللَّهُمَّ نعم قَالَ أفتعلم أَن فِينَا كتاب الله الْمنزل قَالَ اللَّهُمَّ نعم قَالَ أفتعلم أَن فِينَا خَليفَة الله المرتضى قَالَ اللَّهُمَّ نعم قَالَ فَأَي شَيْء يعدل هَذِه الْخِصَال قَالَ أَبُو الْعَبَّاس اكفف عَنهُ فوَاللَّه مَا رَأَيْت غَلَبَة قطّ أنكَرَ مِنْهَا وَالله مَا فرغت من كلامك يَا أَخا مُضر حَتَّى توهمتُ أَنه سيعرَجُ بسريري إِلَى السَّمَاء ثمَّ أَمر لخَالِد بِمِائَة ألف دِرْهَم وَفِي ابْن خلكان أَن السفاح نظر يَوْمًا إِلَى الْمرْآة وَكَانَ من أجمل النَّاس وجهَاً فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُول كَمَا قَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَلَكِنِّي أَقُول اللَّهُمَّ عمرني طَويلا فِي طَاعَتك ممتعَاً بالعافية فَمَا استتم كَلَامه حَتَّى سمع غُلَاما يَقُول لآخر الْأَجَل بيني وَبَيْنك شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام فتطير من كَلَامه وَقَالَ حسبي الله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَبِه استعنت فَمَا مَضَت الْمدَّة الْمَذْكُورَة حَتَّى أَخَذته الْحمى وَمرض فَمَاتَ بعد شَهْرَيْن وَخَمْسَة أَيَّام بالجدري بالأنبار مدينته الَّتِي بناها وسماها الهاشمية وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة وَقيل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَحَد لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَمُدَّة خِلَافَته أَربع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وولادته سنة خمس وَمِائَة وَكَانَ أَبيض مليحَاً جميلا حسن اللِّحْيَة والهيئة

الصفحة 370