كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 104
التعقيب ) على قوم ) أي ذمي قوة ، قيل : كانوا من لخم ) يعكفون ) أي يدورون ويتحلقون ملازمين مواظبين ) على أصنام لهم ) أي لا قوةفيها ولا نفع ، فهم في عكفوهم عليها مثل في الغباوة ، وقيل : إنها كانت تماثيل بقر ، وكان ذلك اول أمر العجل ولما أخبر سبحانه يذلك ، علم السامع أنهم بين أمرين : إما شكر وإما كفر ، فتشوف إلى ما كان منهم ، فأجاب سبحانه من عظيمة وشكرهم لما أفاض عليهم من نعمته إلا ريثما أمنوا من عدوهم بمجاوزتهم البحر وإغراقهم فيه حتى طلبوا إلهاً غيره بقولهم : ( ياموسى ( سموه كما ترى باسمه جفاء وغلطة اعتماداً على ما عمهم من بره وحلمه غير متأدبين بما بهرهم من جلالة حظه من الله وقسمه ) اجعل لنا إلهاً ) أي شيئاً نراه ونطوف به تقيداً بالوهم ) كما لهم آلهة ( وهذا منهم قول من لا يعد الإله - الذي فعل معهم هذه الأفاعيل شئاً ، ولا يستحضره بوجه ولما كان هذا منهم عظيماً ، استأنف جواب من تشوف إلى قول موسى عليه السلام لهم ما هم بقوله : ( قال إنكم قوم ) أي ذوو قيام في شهوات النفوس ، وقال : ( تجلهون ( مضارعاً إشعاراً بأن ذلك منهم كالطبع والغزيرة ، لا ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل ، واعلم أنه لا تكرير في هذه القصص فإن كل سياق منها لأمر لم يسبق مثله فالمقصود من قصة موسى عليه السلام وفرعون - عليه اللعنة والملام - هذا الاستبدال الوجودي على قوله لآ ) وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) [ الأعراف : 102 ] ومن هنا تعلم أن سياق قصة بني إسرائيل بعد الخلاص من عدوهم لبيان إسراعهم في الكفر ونقصهم للعهود ، واستمر سبحانه في هذا الاستبدال إلى آخر السورة ، وامانسب
77 ( ) وإذأخذ ربك من بني آدم ( ) 7
[ الأعراف : 172 ] ىلآية ، لقوله
77 ( ) وما وجدنا لأكثرهم من عهد ( ) 7
الأعراف : 102 ] وذكر في أول التي تليها تنازعم في الأنفال تحذيراً لهم من أن يكونوا من الأكثر المذمومين في هذه ، هذا بخلاف المقصود من سياق قصص بني إسرائيل في البقرة فإنه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم ، لأن ذلك في سياق خطابة سبحانه لجميع الناس بقوله :
77 ( ) اعبدوا ربكم الذي خلقكم ( ) 7
[ البقرة : 21 ]
77 ( ) كيف تكفرون بالله لجميع أمواتاً فأحياكم ( ) 7
[ البقرة : 28 ] وما شاكله من الاستعطاب بتعداد النعم ودفع النقم - والله أعلم .
ولما استفيد من كلامه لهم غاية الإنكار عليهم ، علل هذا افنكار بقوله : ( إن هؤلاء ) أي القوم ) متبر ما هم فيه ) أي مكسر مفتت مهلك على وجه المبالغة ، وإذا

الصفحة 104