كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 107
ليلها ونهارها ، أدرك من فمه خلوفاً فاستاك ، فأعلمه الله أنه قد افسد ريح فمه ، وأمره بصيام عشرة أيام أخرى و - هي عشرة ذي الحجة ليرجع ماأزاله من ذلك ، وذلك لأن موسى عليه السلام كان وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - أنه إذا أهلك الله عدوهم سأل موسى عليه السلام الكتاب ، فامره بصوم ثلاثين يوماً ثم أمره بالعشر .
ولما كان من الممكن أن يكون الثلاثون هي النهاية ، وتكون مفصلة إلى عشرين ثم عشر ، أزال هذا الاحتمال - بقوله : ( فتم ميقات ربه ) أي الذي قدره في الأزل لأن يناجيه بعده - بالفاء ) أربعين ( ولما كانت العشر غير صريحة في الليالي ، قال : ( ليلة ( فانتفى أن تكون ساعات مثلاً ، وعبر بالميقات لأنه ما قدر فيه عمل من الأعمال ، وأما الوقت فزمان الشيء سواء كان مقدراً أم لا ، وعبر بالرب إشارة إلى اللطف به والعطف عليه بالرحمة له ، والميقات هو الأربعون - قاله الفارسي في الحجة ، وقدر انتصاب أربعين ب ( معدوداً هذا العدد ) كما تقول : تم القوم عشرين ، أي معدودين هذا العدد وأجمل سبحانه الأربعين في البقرة لأن المراد بذلك السياق تذكيرهم بالنعم الجسام والمتّ إليهم بالإحسان والإكرام ، ليكون ذلك أدعى إلى رجوعهم إلى الإيمان وامكن في نزوعهم عن الكفران بدليل ما سبق قصتهم من قوله :
77 ( ) يأيها الناس اعبدوا ربكم ( ) 7
[ البقرة : 21 ]
77 ( ) كيف تكفرون بالله ( ) 7
[ البقرة : 28 ] وما اكتنفها أولاً وآخراً من قوله :
77 ( ) يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ( ) 7
[ البقرة : 40 ] الآيتين المبدوءبها والمختوم بها ، وفصل هنا الأربعين إلى ثلاثين وعشر ، لأن المراد بهذا السياق - كما تقدم - بيان كفرهم ومرودهم على خزيهم ومكرهم وأنه لم ينفعهم سؤال المعجزات ، ولا أغنى عنهم شيئاً تواتر النعم والآيات ، كما كان ذلك في قصص المم الخالية والقرون الماضية ممن ذكر في هذه الصورة استدلالاً - كما تقدم - على أن المفسد أكثر من المصلح - إلى غير ذلك مما أجمل في قوله تعالى :
77 ( ) وما أرسلنا في قرية من بني إلا أخذنا أهلها ( ) 7
[ الأعراف : 94 ] إلى آخرة ، وتسلية لهذا النبي الكريم وترهيباً لقومه لما وقع لهم من العقاب الأليم ، والفصل بين الساقين يدق إلا عن أولي البصائر - والله أعلم ، فيكون المراد بتفصيل الأربعين هنا بيان أن إبطاء موسى عليه السلام عما عملوه من المعياد إنما كان لعشرة أيام ، فارتكبوا فيها هذه الجريمة التي هي أعظم الجرائم ، وأشار تعالى إلى عظيم جرأتهم وعراقتهم في السفه بقوله عاطفاً على ) وعدنا ( ) وقال موسى ) أي لما واعدناه ) لأخيه ( ثم بينه تصريحاً باسمه فقال : ( هارون أخلفني ) أي كن خليفي فيهم تفعل ما كنت افعل ، وأكد الارتسام بما يجده له بقوله : ( في قومي (