كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 109
ممكن فقال - : ( فإن استقر مكانه ) أي وجد قراره وجوداً تاماً ، واشار إلى بعد الرؤية أاايضاً وجلالة المطلوب منها بقوله : ( فسوف تراني ) أي بوعد لا خلف فيه ) فلما تجلى ربه ) أي المحسن إليه بكل عطاء ومنع وبين بتعبيره باللام أنه تجلى قربه وخصوصيته ، ولو عبر بعلى مثلاً لكان أمر آخر فقال - : ( للجبل ) أي بأن كشف للجبل عما شاء من حجب عظمته ) جعله دكاً ) أي مدكوكاً ، والدك والدق أخوان ) وخر ) أي وقع ) موسى صعقاً ) أي مغشياً عليه مع صوت هائل ، فعلم أن معنى الاستدراك أنك لن تثبت لرؤيتي في هذه الدار ولا تعرف ذلك الآن ، ولكنك تعرفه بمثال أريكة وهوالجبل ، فإن الفاني - كما نقل عن الإمام مالم - لا ينبغي له أن يرى الباقي - ) فلما أفاق ) أي من غشيته ) قال سبحانك ) أي تنزيهاً لك عن أن أطلب منك ما لم تأذن فيه ) تبت إليك ) أي من ذلك ) وانا أول المؤمنين ) أي مبادر غاية المبادرة إلى الإيمان بكل ما أخبرت به كل ما تضمنته هذه الآيات ، فتعبيره بالإيمان في غاية المناسبة لعدم الرؤية لأن شرط الإيمان أن يكون بالغيب ، فقد ورد في نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) آيتان : إحدهما يمكن أن تشير إلى الرؤية بالتعبير بالمسلمين دون المؤمنين في قوله ) وأنا أول المسلمين ) [ المائدة : 163 ] والثانية تومي إلى عدمها وهي ) آمن الرسول ) [ البقرة : 285 ] إلى قوله : ( كل آمن بالله ) [ البقرة : 285 ] - والله أعلم - ، وكل هذا تكيت على قومه وتبكيت لهم في عبادتهم العجل وردع لهم عن ذلك ، وتنبيه لهم على ان الإلهية مقرونة بالعظمة والكبر بعيدة جداً عن ذوي الجسام لما يعلم سبحانه من انهم سيكررون عبادة الأصنام ، فاثبت للإله الحق الكلام والتردي عن الرؤية بحجاب الكبر والعظمة واندكاك الجبل عند تجليه ونصب الشرع الهادي إلى أقوم تعريضاً بالعجل ، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى : ( ألم يروا انه لا يكلمهم ( الآية .
ولما منعه الرؤية بعد طلبه إياها ، وقابل ذلك بمحاسن الأفعال والأقوال ، تشوف السامع إلى ما قوبل به من الإكرام ، فاستأنف سبحانه الإخبار بما منحه به تسلية له عما منعه وأمراً بشكره بقوله : ( قال ياموسى ( مذكراً له نعمة في سياق دال على عظيم قدرها وإيجاب شكرها مسقطاً عنه مظهر العظمة تأنيساً له ورفقاً به - ) إني اصطفيتك ) أي اخترتك اختياراً بالغاً كما يختار ما يصفى من الشيء عن كل دنس ) على الناس ) أي الذين في زمانك ) رسالتي ) أي الآيات المستكثرة التي أظهرنها على يديك من اسفار التوارة وغيرها ) وبكلامي ) أي من غير واسطة وكانه أعاد حرف الجر للتنبيه على ذلك ، كما اصطفى محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) على الناس عامة في كل زمان برسالته العامة وبكلامه المعجز ويتكلمه من غير واسطة في السماء التي قدست دائماً ونزهتت عن التدنيس بمعصية .

الصفحة 109